بين منع الأطفال من السوشال ميديا ومحاسبة المنصات: أين تكمن المشكلة الحقيقية؟

تكنولوجيا 23-06-2026 | 12:46

بين منع الأطفال من السوشال ميديا ومحاسبة المنصات: أين تكمن المشكلة الحقيقية؟

الهدف ليس تربية جيل معزول عن التكنولوجيا، بل تربية جيل قادر على استخدامها بأمان ووعي واستقلالية، ضمن بيئة رقمية أكثر عدالة ومسؤولية.

بين منع الأطفال من السوشال ميديا ومحاسبة المنصات: أين تكمن المشكلة الحقيقية؟
مراهقون يتخذون وضعية لالتقاط صورة وهم ينظرون إلى هواتفهم، في بون، ألمانيا (رويترز)
Smaller Bigger

محمد نجم(*)

 

أعادت قرارات عدة دول بمنع استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لمن هم دون الخامسة عشرة من العمر إثارة نقاش عالمي حول العلاقة بين التكنولوجيا والأطفال والشباب.

 

لا شك أن القلق مشروع؛ فالأهل والمعلمون والباحثون، وحتى الشباب أنفسهم، يعبّرون منذ سنوات عن مخاوف متزايدة تتعلق بالإفراط في استخدام الشاشات، والتنمّر الإلكتروني، والأخبار المضللة، وضغوط المقارنات الاجتماعية، وتأثير المنصات الرقمية في الصحة النفسية والرفاه الاجتماعي. لكن، قبل أن نتجه مباشرة نحو سياسات المنع والحظر، ربما يجدر بنا أن نطرح سؤالاً مختلفاً: كيف تتعامل المجتمعات مع التكنولوجيا عندما تنتج عنها مخاطر؟

 

ففي كل عام، يسقط مئات الضحايا في حوادث السير، ويصاب الآلاف بجروح متفاوتة الخطورة؛ ومع ذلك، لم يكن الرد يوماً منع السيارات. بدلاً من ذلك، طوّرت المجتمعات منظومة متكاملة تشمل قوانين المرور، وتحسين تصميم المركبات، وتطوير البنية التحتية، وتدريب السائقين، وإنفاذ القوانين، والتوعية العامة. الهدف لم يكن إلغاء التكنولوجيا، بل جعل استخدامها أكثر أماناً.


نعم، يجب أن نتعامل مع المنصات الرقمية بالمنطق نفسه؛ لكن هناك فرقاً أساسياً بين السيارات ومنصات التواصل الاجتماعي. فحوادث السير ليست جزءاً من النموذج التجاري لصناعة السيارات، بينما تعتمد العديد من المنصات الرقمية اليوم على اقتصاد الانتباه؛ إذ يُقاس نجاح المنصة بقدرتها على إبقاء المستخدم متصلاً لأطول فترة ممكنة، وجمع المزيد من البيانات عنه، وتعظيم التفاعل بأي وسيلة كانت.

 

لهذا السبب، لا يمكن اختزال النقاش في سؤال: هل نمنع الأطفال من استخدام وسائل التواصل الاجتماعي أم لا؟ بل السؤال الأهم هو: لماذا صُمّمت هذه المنصات أصلاً بطريقة تجعل الانفصال عنها صعباً؟

 

لقد كشفت السنوات الأخيرة الكثير من الممارسات التي تستخدمها المنصات الرقمية لزيادة التفاعل؛ بدءاً من التمرير اللانهائي والإشعارات المستمرة، وصولاً إلى أنظمة التوصية التي تعطي الأولوية للمحتوى الأكثر إثارة للانفعال والجدل. هذه ليست أخطاءً تقنية، بل خيارات تصميمية مرتبطة مباشرة بالأرباح؛ ومن هنا تظهر مسؤولية شركات التكنولوجيا.

 

فإذا كانت المجتمعات تطالب شركات السيارات بتطبيق معايير السلامة، فمن المنطقي أن نطالب شركات التكنولوجيا أيضاً بمعايير لحماية الأطفال والمراهقين، ويشمل ذلك:

 

📌 تصميمات تراعي مصلحة المستخدمين الشباب بدلاً من تعظيم وقت الاستخدام.

📌الحد من الأنماط التصميمية التي تستغل نقاط الضعف النفسية لدى الأطفال.

📌توفير إعدادات خصوصية وحماية افتراضية للأطفال والمراهقين.

📌زيادة الشفاء حول كيفية عمل خوارزميات التوصية.

📌تمكين الباحثين والجهات المستقلة من دراسة آثار المنصات في الصحة النفسية والمجتمع.

📌إخضاع الشركات لآليات مساءلة حقيقية عندما تؤدي قراراتها التصميمية إلى أضرار مثبتة.

 

في المقابل، لا تقع المسؤولية على الشركات وحدها؛ فبناء بيئة رقمية أكثر أماناً يتطلب مشاركة أوسع تشمل الأهالي، والمدارس، وخبراء التربية، والمتخصصين في الصحة النفسية، وصنّاع السياسات، والمجتمع المدني.

 

ونشهد بموازاة ذلك اقتراحات تشريعية غير متناسقة مع واقع الشباب؛ فمثلاً، اقترح النائب طوني فرنجية قانوناً لمنع من هم دون الـ 14 عاماً من استخدام منصات التواصل، ولكن مهلاً، هل مشكلتنا مع هذا الموضوع هي فرق سنة واحدة بما أن المنصات تمنع الأطفال ممن هم دون الـ13 من التواجد على منصاتها؟

 

ماذا عن معايير السلامة التي يجب أن تكون مطبَّقة من مزودي خدمات الإنترنت؟ وماذا أيضاً عن النقاش المجتمعي الذي يجب أن يبدأ بين أصحاب المصلحة؟ والأهم من ذلك كله، يجب أن يكون الشباب أنفسهم جزءاً من هذا النقاش؛ فغالباً ما تُصاغ السياسات المتعلقة بحياتهم الرقمية من دون إشراكهم بصورة حقيقية، على الرغم من أنهم الأكثر تأثراً بنتائجها. لا ينبغي النظر إليهم كمجرد متلقين للقرارات، بل كشركاء في تحديد المشكلات واقتراح الحلول.

 

إن تاريخ التعامل مع التقنيات الجديدة يعلّمنا أن المنع وحده نادراً ما يشكل حلاً مستداماً؛ فالتحديات المعقدة تحتاج إلى مقاربات متكاملة تجمع بين التنظيم، والتعليم، والتوعية، والتصميم المسؤول، والمساءلة.

 

لذلك، إذا كنا متفقين على وجود مشكلة حقيقية في العلاقة بين الأطفال ووسائل التواصل الاجتماعي، فإن النقاش يجب ألا يقتصر على ما إذا كان الأطفال سيستخدمون هذه المنصات أم لا، بل يجب أن يشمل أيضاً كيف صُممت هذه المنصات، ومن يتحمل مسؤولية آثارها، وكيف يمكن إعادة تشكيل البيئة الرقمية بحيث تخدم مصلحة الأطفال بدلاً من استغلال انتباههم.

 

فالهدف ليس تربية جيل معزول عن التكنولوجيا، بل تربية جيل قادر على استخدامها بأمان ووعي واستقلالية، ضمن بيئة رقمية أكثر عدالة ومسؤولية.



(*)باحث ومتخصص في مواضيع الحريات الرقمية في لبنان والمنطقة العربية
مدير منظمة SMEX للحريات الرقمية

 

الأكثر قراءة

النهار بيديا 9/21/2026 11:05:00 AM
نعى الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم شقيقه الشيخ أحمد بن راشد آل مكتوم، الذي تُوفي صباح اليوم الاثنين، مستذكراً إياه بالدعاء، فيما كان الراحل شخصية بارزة في المجالات الأمنية والرياضية والاقتصادية في دبي، وشغل منصب نائب رئيس شرطة دبي والأمن العام وترأس نادي الوصل.
شمال إفريقيا 9/24/2026 7:22:00 AM
يحتفظ الملك بصلاحيات واسعة في تحديد التوجّهات السياسية وملفات الدفاع والشؤون الخارجية.
لبنان 9/23/2026 8:25:00 AM
المتّهم اعترف بارتكابه هذا الفعل، فيما تستمر التحقيقات بإشراف القضاء المختص لكشف كامل الملابسات والدوافع.
سياسة 9/23/2026 5:45:00 AM

يُضرب موعد مع الإضرابات والتحركات المطلبية الأسبوع المقبل، مع رصد الاجتماعات العمالية هذا الأسبوع لتحديد خريطة الاعتراض الشعبي على موجة الغلاء. فمن يتحرك؟ وما مدى الاستجابة للمطالب؟