29-02-2024 | 04:30

نسيم إماراتي عليل ينعش مصر

أن هبوب نسيم إماراتي عليل على هذا البلد العربي الذي تجاوز عدد سكانه المئة مليون نسمة، انعش الآمال لدى غالبية الشعب المصري. هي آمال يستشفها المرء لدى سائقي سيارات الاجرة، والناس في الشارع وعمال المطاعم وبائعي التجزئة في الأسواق الشعبية وكبار القوم في البلد وصغارهم، وأيضاً من خلال اشتعال "التريند" في وسائل التواصل الاجتماعي في البلد.
نسيم إماراتي عليل ينعش مصر
Smaller Bigger
زائر القاهرة هذه الأيام سيلمس، لا محالة وبسهولة، الحمل الثقيل الذي ينهك كاهل مصر ويقض مضجعها. مصر هذا البلد المحوري والاستراتيجي في منطقتي الشرق الأوسط وشمال أفريقيا يعيش في محيط أمواجه دائمة التلاطم، ولا يبدو أنه مقبل على انفراجة، بدءاً بالوضع في الجارة الغربية ليبيا، وحرب الأشقاء في السودان جنوباً، والنظرة الاستئسادية لإثيوبيا إزاء مياه وادي النيل، إضافة إلى غليان بركان قطاع غزة الذي ينزف ويقذف حمم الفواجع والمواجع منذ السابع من تشرين الأول (أكتوبر) الماضي، وهي أزمات ومخاطر تضع الأمن القومي المصري على المحك.
 
إلى جانب كل ذلك، تصاعدت حدة الأزمة الاقتصادية متمثلة في تضخم تاريخي، ودين خارجي قدره 165 مليار دولار، ما جعل الاستقرار الاجتماعي في مصر مهدداً.
 
بيد أن هبوب نسيم إماراتي عليل على هذا البلد العربي الذي تجاوز عدد سكانه المئة مليون نسمة، أنعش الآمال لدى غالبية الشعب المصري. هي آمال يستشفها المرء لدى سائقي سيارات الأجرة، والناس في الشارع وعمال المطاعم وبائعي التجزئة في الأسواق الشعبية وكبار القوم في البلد وصغارهم، وأيضاً من خلال اشتعال "الترند" في وسائل التواصل الاجتماعي في البلد. 
 
يوم الجمعة الماضي، كان يوماً مشهوداً في أرض الكنانة، فقد أُعلن في القاهرة عن صفقة استثمارية وصفها رئيس الحكومة مصطفى مدبولي بأنها "أكبر شراكة استثمارية" بين بلاده ودولة الإمارات العربية المتحدة. 
 
يتعلق الأمر بمشروع "رأس الحكمة" الذي يعتمد على استثمار أجنبي مباشر قدره 35 مليار دولار، ستحصل مصر بموجبه على نسبة 35 في المئة من أرباح المشروع الذي يتوقع أن يدر أرباحاً  قدرها 150 مليار دولار. هذا مع ضرورة الإشارة إلى أن ودائع إماراتية لدى مصر قدرها 11 مليار دولار أُدخلت ضمن مبلغ الصفقة.
 
تروم الصفقة بناء عدد من المدن الجديدة، من الجيل الثاني، لتنمية الساحل الشمالي الغربي في منطقة "رأس الحكمة"، مشكّلة بارقة أمل كبيرة للحكومة المصرية باعتبارها تجسد مستقبل الاستثمار السياحي في البلاد، وتجعل من مصر نقطة مضيئة في خريطة السياحة العالمية والمتوسطية في بحر السنوات الخمس المقبلة. 
 
سيقام المشروع الضخم على مساحة 170 مليون متر مربع من المنطقة الواقعة في شمال غربي البلاد، والتي تبعد حوالي 350 كيلومتراً عن القاهرة.
من إيجابيات المشروع أيضاً أنه سيوفر سيولة نقدية من العملات الصعبة، ويكبح جماح التضخم ويقضي على السوق السوداء، ما سيسهم في استقرار سوق النقد الأجنبي وتحسين الوضع الاقتصادي للبلد. 
 
ولئن ساد انشراح واسع في الشارع المصري، هناك كذلك من لا يعجبه العجب، ويرى أن التخصيص وبيع الأصول الثابتة ليس سوى تعامل لحكومة مدبولي مع أزمات البلاد بـ"القطعة".
لكن الواقع يقول إنه عقب إبرام صفقة "رأس الحكمة" تراجعت أسعار العملات في السوق السوداء. فبعدما كان الدولار الواحد يتجاوز الـ60 جنيهاً نزل سعره إلى 53 جنيهاً.
 
إن دور الحكومات يكمن بالدرجة الأولى في خلق الأمل وليس حل المشكلات دفعة واحدة. فحينما يكون هناك أمل تكون هناك عزيمة للقضاء على المشكلات بلا هوادة، وبالتالي فإن صفقة "رأس الحكمة" تبقى الخطوة الأولى في "رحلة الألف ميل".
 
في سياق ذلك، هناك في مصر من يعتقد أن التركيز على الاستثمار السياحي له مخاطره الأخلاقية، لكن رجل الأعمال المصري البارز نجيب ساويريس قال في تغريدة له نشرها في موقع "إكس" إن المهم في هذه الصفقة "هو تدفق العملة الأجنبية على مصر وفك أزمتها، واستقرار سوق الصرف، والعمالة المصرية التي ستُفتح لها فرص عمل جديدة، إلى جانب رفع مستوى العمارة والتنفيذ والتخطيط في مدينة جديدة وعصرية في مستوى دبي"، قبل أن يشير إلى أن العقار والفنادق "تشغل صناعات كثيرة مثل الحديد والأسمنت والآثار والمفروشات وغيرها".
 
إن ضريبة الأخلاق تظل مستحقة على كل السياحات المزدهرة أو الواعدة، لكن مع ذلك تبقى للسياحة إيجابياتها الكثيرة باعتبارها عنصراً أساسياً في الدفع بعجلة التنمية في أي بلد.
 
هناك أيضاً من اعتبر الصفقة مجرد مسكنات للألم المزمن الذي يعانيه الاقتصاد المصري، باعتبار أن مصر هذا العام (2024) عليها سداد 42 مليار دولار أقساطاً وفوائد ديون خارجية، وأن مبلغ صفقة "رأس الحكمة " (35 مليار دولار)، يبقى مجرد إبرة في كومة قش، ولا يكفي لسداد أقساط الديون المستحقة على القاهرة.
 
وفي انتظار صفقات ومشاريع أخرى، تظل الحقيقة الأكيدة البادية للعيان هي أن المبادرة الاستثمارية الإماراتية أنقدت مصر من الدخول في أتون صعوبات اقتصادية مزمنة، ومكنتها على الأقل من استبدال ذلك بإمكانات تمويلية من سوق السندات الدولية للاقتراض، حتى تخرج من المنطقة الحمراء في مؤشرات صندوق النقد الدولي.
 
ثمة قناعة لدى الإمارات ومعظم دول الخليج مفادها أن انهيار مصر هو انهيار للمنطقة العربية كلها، وبالتالي لا يمكن الوقوف كمتفرج أمام ما يحدث لاقتصادها، وكما قال مرة المفكر المصري الراحل لويس عوض في معرض حديثه عن الأزمات والأنواء التي اعترضت بلاده "إن مصر مهما عتمت بتطلع فيها الشمس".
 

الأكثر قراءة

النهار بيديا 9/21/2026 11:05:00 AM
نعى الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم شقيقه الشيخ أحمد بن راشد آل مكتوم، الذي تُوفي صباح اليوم الاثنين، مستذكراً إياه بالدعاء، فيما كان الراحل شخصية بارزة في المجالات الأمنية والرياضية والاقتصادية في دبي، وشغل منصب نائب رئيس شرطة دبي والأمن العام وترأس نادي الوصل.
شمال إفريقيا 9/24/2026 7:22:00 AM
يحتفظ الملك بصلاحيات واسعة في تحديد التوجّهات السياسية وملفات الدفاع والشؤون الخارجية.
لبنان 9/23/2026 8:25:00 AM
المتّهم اعترف بارتكابه هذا الفعل، فيما تستمر التحقيقات بإشراف القضاء المختص لكشف كامل الملابسات والدوافع.
سياسة 9/23/2026 5:45:00 AM

يُضرب موعد مع الإضرابات والتحركات المطلبية الأسبوع المقبل، مع رصد الاجتماعات العمالية هذا الأسبوع لتحديد خريطة الاعتراض الشعبي على موجة الغلاء. فمن يتحرك؟ وما مدى الاستجابة للمطالب؟