أمهات يزغردن فرحاً باستشهاد أبنائهن، وآباء يجلسون للتدخين بلا مبالاة، رافعين راية النصر فوق أنقاض منازل كانوا قد عمّروها بأيديهم، وأطفال "يشاغبون" الاحتلال ويعلنونها بالفم الملآن، "لن ننزح إلى الجنوب"، وعجائز يذخرن ما قد يكون دعاءهن الأخير في الدنيا من أجل رجال المقاومة.
هذه هي المشاهد الوحيدة التي قرّرنا - ولا أدري من نكون أصلاً لنقرّر - أنّها يجب أن تُنقل من الحرب على غزة. لقد قرّرنا - بالنيابة عنهم، ومن دون أن نكلّفهم عناء التفكير والاختيار - بأنّ كل مواطن في القطاع، والبالغ عددهم 2.3 مليون نسمة، يجب أن يتحوّل إلى ناطق رسمي مفوّه باسم النضال والصمود.
حمّلناهم – هؤلاء المدنيين المغلوبين على أمرهم - مسؤولية "تمثيل" القضية الفلسطينية، والتحدّث باسمها، وتعزيز موقفها، ودحض الشبهات والبروباغندا الصهيونية حول غزة.
فيُمنع على الغزاوي - والذي ربما ترك جثث أشقائه لتتفسخ في الشارع - أن يُبدي انهزامية، أو انكساراً. يُحرم عليه البكاء من التعب أمام مراسلي القنوات، والاستسلام في لحظة من الضعف، حتى وإن كان قد التقط للتو جسد رضيع مفصول الرأس. لا يُسمح لهذا "الناطق الرسمي" بأن يشكو ضريبة المقاومة، والتي تخرج من رصيده من الأهل والأمن والاستقرار والمأوى والطعام، أو يتذمّر من اضطراره اللانهائي إلى التضحية. نزايد عليه حين يضجر، وحين ييأس، وحتى حين يردّد قول مريم بنت عمران "يا ليتني متُّ قبل هذا وكنتُ نَسِيّاً مَنسيّاً"، فالغزاوي - الذي قرّرنا أنّه يجب أن يظل شجاعاً - لا يخوّل تمني الموت إلاّ شهيداً.
لا يجوز للغزاوي - والذي عاصر 5 حروب لو أنّه في عمر الـ18 سنة - أن يلعن "حماس"، واليوم الذي عرف فيه "حماس"، في لحظة من السخط، مثل العائلة التي صوّرها الصحافي الغزاوي معتز عزايزة، فلاقى سيلاً من الهجوم والانتقاد من المتفذلكين والمتنطعين العرب.
فقد قرّرنا أنّ أي وجهة نظر لا تقف بصرامة مع المقاومة، ولا تتجلّد أمام الوضع الحالي، هي إنما تخدم السردية الإسرائيلية، والتي تلوم "حماس" حصراً على ما تقاسيه غزة من ويلات، وتزعم أنّ معاناة القطاع هي نتيجة لهجمات الـ7 من تشرين الأول (أكتوبر)، متناسية ما سبقها من حصار وتضييق.
ولأنّ جميع سكان غزة أصبحوا ناطقين رسميين رغماً عن أنوفهم، فها نحن نكاد نقطع ألسنتهم، ونحطّم أقلامهم، ونطمس عدسات الكاميرات عنهم، لنمنع وجهات النظر المغايرة بينهم. وأي جهة إعلامية، أو مؤثر في وسائل التواصل الاجتماعي، يلتفت إليها، ويلقمّها الميكروفون لتفضفض وتبث عذاباتها، فسنقحمه تلقائياً في زنزانة "المنافقين والمرجفين والمتصهينين"!
سمعت أنّ الحرب تصيّر البشر إحصائيات وأرقاماً منزوعة الصفة الإنسانية، ولكني بتّ أرى كيف أنّها تذوّبهم أيضاً في بوتقة واحدة لا وجوه فيها. فالرأي يجب أن يكون واحداً، والصوت واحداً، والمشاعر واحدة، وردود الفعل واحدة، وحتى القدرة على تحمّل أهوال القيامة التي تشهدها غزة يجب أن تكون واحدة.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
النهار بيديا
9/21/2026 11:05:00 AM
نعى الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم شقيقه الشيخ أحمد بن راشد آل مكتوم، الذي تُوفي صباح اليوم الاثنين، مستذكراً إياه بالدعاء، فيما كان الراحل شخصية بارزة في المجالات الأمنية والرياضية والاقتصادية في دبي، وشغل منصب نائب رئيس شرطة دبي والأمن العام وترأس نادي الوصل.
شمال إفريقيا
9/24/2026 7:22:00 AM
يحتفظ الملك بصلاحيات واسعة في تحديد التوجّهات السياسية وملفات الدفاع والشؤون الخارجية.
لبنان
9/23/2026 8:25:00 AM
المتّهم اعترف بارتكابه هذا الفعل، فيما تستمر التحقيقات بإشراف القضاء المختص لكشف كامل الملابسات والدوافع.
سياسة
9/23/2026 5:45:00 AM
يُضرب موعد مع الإضرابات والتحركات المطلبية الأسبوع المقبل، مع رصد الاجتماعات العمالية هذا الأسبوع لتحديد خريطة الاعتراض الشعبي على موجة الغلاء. فمن يتحرك؟ وما مدى الاستجابة للمطالب؟
نبض