أغاني الثمانينيات تعود... لماذا يحنّ جيل لم يعشها؟
لم يعش الثمانينيات، لا يملك ذكريات من شوارعها، ولم ينتظر أغنيته المفضلة على الراديو. ومع ذلك، يسمع شاب في العشرينات اليوم أغنية عمرها أربعة عقود، فيشعر بشيء يشبه الحنين.
لكن إلى ماذا يحنّ، إذا كان لا يتذكّر ذلك الزمن أصلاً؟
بالنسبة إلى راوية عيتاني المتخصصة في الصورة الذاتية والوعي، لا تكمن الإجابة في العودة إلى الماضي بقدر ما تكمن في البحث عن إحساس نفتقده في الحاضر.
ما يحدث اليوم مع أغاني الثمانينيات أعمق من مجرد موجة تعيد الأغاني القديمة إلى الواجهة. فـ"السوشال ميديا" منحت هذه الموسيقى حياة ثانية، لكنها في الوقت نفسه انتزعتها من سياقها الأصلي ووضعتها في قصص وتجارب تنتمي بالكامل إلى جيل جديد.
في عالم سريع، مزدحم بالمحتوى والتنبيهات والمقارنات والانتقال المستمر من فيديو إلى آخر، يبدو بعض أصوات الماضي أكثر هدوءاً ودفئاً ووضوحاً من الناحية العاطفية. وهنا، ربما، تبدأ الحكاية.
لا يعني ذلك أن موسيقى الثمانينيات كانت "أفضل"، أو أن موسيقى اليوم أقل صدقاً. لكن طريقة إنتاج تلك الأغاني وعناصرها الصوتية تمنح المستمع إحساساً مختلفاً عمّا اعتاده وسط التدفق السريع للمحتوى. بكلمات أخرى، تشرح راوية نحن لا نبحث دائماً عن القديم لأنه قديم، بل عن الشعور الذي يمنحنا إياه.
TikTok يكتب للأغنية قصة جديدة
هنا يدخل TikTok ليغيّر قواعد اللعبة. فالمنصة لا تعيد الأغنية كما عرفها مستمعوها قبل أربعين عاماً. تأخذ ثواني قليلة منها وتضعها فوق مشهد جديد: رحلة، انفصال، قصة حب، نجاح، صورة شخصية، لحظة حزن، أو حتى تفصيل عابر من الحياة اليومية.
فجأة، تصبح الأغنية التي ارتبطت بذكريات جيل سابق جزءاً من ذاكرة جيل لم يكن قد وُلد عندما صدرت.

وترى عيتاني أن ذلك يغيّر حتى مفهوم "الأغنية القديمة". في السابق، كان عمر الأغنية جزءاً أساسياً من هويتها. اليوم، قد تكون أغنية عمرها أربعون عاماً الصوت الأكثر حضوراً في فيديو نشره شخص في العشرين.
إنها، بطريقة ما، تولد من جديد كلما دخلت تجربة إنسانية جديدة.
لكن المسألة لا تتوقف عند الموسيقى. فاختيار الأغنية على "السوشال ميديا" أصبح أيضاً جزءاً من الطريقة التي نقدّم بها أنفسنا للآخرين.
لا يختار المستخدم أغنية دائماً لأنها جميلة فحسب، بل لأنها تقول شيئاً عنه: عن مزاجه، علاقته، المرحلة التي يعيشها، أو حتى الصورة التي يريد أن يرسمها عن نفسه.

وهنا يتحول الترند من استهلاك موسيقي إلى تعبير عن الـSelf-Image
قد يستخدم شاب أغنية من الثمانينيات على فيديو صوّره اليوم، لا لأنه يتمنى العودة إلى ذلك العقد، بل لأن كلماتها أو صوتها أو مزاجها تعبّر عنه الآن.
وهذه ربما هي المفارقة الأجمل في عودة الماضي: المحتوى القديم لا يعيش مجدداً لمجرد أنه قديم، بل عندما يستطيع الإنسان المعاصر أن يجد نفسه داخله.
في زمن السرعة، نبحث عن البطء. وفي زمن كثرة الأصوات، نبحث عن صوت يلمسنا. وفي زمن نعرض فيه الكثير عن أنفسنا، ربما نبحث عن شيء يجعلنا نشعر بأنفسنا.
لهذا، لم يجعل TikTok عمر الأغنية بلا أهمية، لكنه غيّر علاقتنا به. الأغنية لم تعد أسيرة الزمن الذي وُلدت فيه؛ أصبحت ملكاً لكل جيل قادر على منحها معنى جديداً. ولهذا أيضاً، قد يسمع شاب لم يعش الثمانينيات أغنية منها ويشعر بحنين غريب.
ليس لأنه يتذكّر ذلك الزمن... بل لأنها تذكّره بشيء يشعر به الآن.
نبض