من وهران إلى العالم و50 عاماً من الراي... الشاب خالد يحتفل بيوبيله الذهبي

لايف ستايل 02-11-2026 | 11:20

من وهران إلى العالم و50 عاماً من الراي... الشاب خالد يحتفل بيوبيله الذهبي

هذا العام يحتفل خالد بمرور 50 عاماً على انطلاق مسيرته الفنية، في مناسبة تعيد تسليط الضوء على أبرز محطاتها وإرثها الموسيقي.

من وهران إلى العالم و50 عاماً من الراي...  الشاب خالد يحتفل بيوبيله الذهبي
Smaller Bigger

سارة الرايس 

 

من أزقة وهران الجزائرية إلى مسارح العالم، امتدت رحلة الشاب خالد على مدار خمسة عقود، حمل خلالها موسيقى الراي متجاوزاً حدود اللغة والجغرافيا. فمن "Didi" إلى "Aïcha" و"C'est la Vie"، صنع الفنان الجزائري تجربة موسيقية جمعت بين الأصالة والتجديد، وأصبح أحد أبرز الوجوه التي ارتبط اسمها بانتشار الراي عالمياً. هذا العام، يحتفل خالد بمرور 50 عاماً على انطلاق مسيرته الفنية، في مناسبة تعيد تسليط الضوء على أبرز محطاتها وإرثها الموسيقي.

 

من وهران إلى عالم الغناء.. البدايات الأولى للشاب خالد

ولد خالد حاج إبراهيم، المعروف بـ"الشاب خالد"، في 29 فبراير 1960 بحي سيدي الهواري العريق في مدينة وهران، ثاني كبرى مدن الجزائر بعد العاصمة، وتقع في شمالها الغربي. أما أصول والديه، فتعود إلى قبيلة البراهمة في قرية عين إبراهيم بولاية مستغانم.

 

تُعرف وهران بأنها عاصمة موسيقى الراي؛ ففي أزقتها وموانئها ومقاهيها ترعرع هذا الفن وتحوّل إلى واحد من أبرز الأنماط الموسيقية في شمال أفريقيا. وتمتد جذور الراي إلى الأغاني البدوية والشعبية في غرب الجزائر، حيث كان صوت الرعاة والشيوخ يحمل حكايات الناس وأوجاعهم، ثم تطوّر خلال القرن العشرين، متأثراً بالثقافات والإيقاعات الموسيقية المتنوعة، حتى صار لساناً يبوح بالحب والحرية، ومرآةً تعكس الواقع الاجتماعي بكل ما فيه.
في هذه البيئة الموسيقية نشأ خالد، وتفتّح قلبه على الغناء منذ طفولته، متأثراً برواد الأغنية الوهرانية، ومن بينهم أحمد وهبي والبلاوي الهواري، إلى جانب إصغائه إلى الموسيقى الغربية. وكان ابناً لأسرة متواضعة الحال، فبدأ الغناء خفية عن والده، يلاحق شغفه بعيداً عن عينيه.

 

 

في عام 1974، أسس فرقته الأولى "خمسة نجوم"، وبدأ يحيي الأعراس والحفلات. وفي العام نفسه، وهو في الرابعة عشرة من عمره، سجّل أول أسطوانة له بعنوان "Trigue Lycée"، وهي الأغنية التي عاد إلى تقديمها بتوزيع جديد ضمن ألبومه "Kenza" الصادر عام 1999.

 

ومع مرور الوقت، مضى في تطوير موسيقى الراي، فمزج إيقاعاتها التقليدية بالآلات الحديثة، ليصبح أحد أبرز الوجوه التي حملت هذا الفن من أحياء وهران إلى جمهور عالمي.

 

الشاب خالد وتجديد موسيقى الراي

لم يقتصر دور الشاب خالد على تقديم موسيقى الراي، بل كان من أبرز الفنانين الذين صقلوا صوتها ووسّعوا دائرة انتشارها، في مرحلة شهدت تحولات موسيقية مهمة في الجزائر منذ سبعينيات القرن الماضي. فقد مضى، مع جيله من فناني الراي الحديث، إلى إدخال الغيتار الكهربائي والأورغ والآلات الإلكترونية والإيقاعات الحديثة، من دون أن يفرّط في الروح الشعبية للراي وكلماته المستمدة من تفاصيل الحياة اليومية، فقرّب هذا التجديد الراي من جيل الشباب، ومنحه حيوية وانتشاراً أوسع، بعدما كان حبيس الأعراس والأوساط الشعبية في غرب الجزائر.
وفي عام 1986، انتقل خالد إلى فرنسا، وشارك في أول مهرجان للراي يُقام هناك، في مدينة بوبيني قرب باريس، بدعم من وزير الثقافة الفرنسي آنذاك جاك لانغ. وتبعه في السنوات اللاحقة فنانون آخرون، من بينهم الشاب مامي والشابة فضيلة، فبدأت مرحلة جديدة، خرج فيها الراي من حدوده المحلية إلى المسارح الأوروبية والجمهور العالمي. وفي عام 1988، قدّم مع الموسيقار الجزائري صافي بوتلة ألبوم "الكوتشي " الذي عُدّ خطوة تأسيسية في تعريف العالم بهذا اللون. (الكوتشي هنا نسبة إلى أغنية الألبوم "مول الكوتشي"، من تراث المغرب الشعبي وقد جددها خالد في ألبومه. والكوتشي كلمة إسبانية دارجة في اللهجات المغاربية، وتعني العربة التي تجرها الخيول، و"مول الكوتشي" تعني صاحب العربة).

 

 

جاءت القفزة الكبرى عام 1992 مع ألبومه "Khaled" الذي أنتجه المنتج الأميركي الشهير دون واس (Don Was)، وضم أغنية "Didi" الشهيرة،  ثم جاء عام 1996 بألبوم "Sahra" وأغنيته "Aïcha".

 

"Didi".. الأغنية التي فتحت له أبواب العالمية

حين صدرت "Didi" لم تكن أغنية عابرة، بل كانت منعطفاً في مسيرة الشاب خالد، وبها خرج الراي من حدود جمهوره المغاربي إلى فضاء الموسيقى العالمية. لم يكتفِ صداها بالانتشار بين الناس، بل  دخلت قائمة الخمسين الأكثر مبيعاً في فرنسا، وكانت أول أغنية عربية تبلغ هذا المقام، واستقرت في المرتبة التاسعة، وبقيت في القائمة نحو عشرين أسبوعاً. ثم سافرت فتصدرت قوائم الأغاني في مصر والسعودية، وحضرت في سويسرا وبلجيكا وهولندا، وبلغت الهند وباكستان فاحتضنها جمهورهما، ونال الألبوم الأسطوانة الذهبية في الهند.

 

كان وراء هذا النجاح مزيج موسيقي جمع إيقاع الراي الجزائري بنَفَس البوب والريغي (Reggae) والأنماط الحديثة، فجاءت الأغنية خفيفة الخطى، تعبر اللغات والثقافات كما تعبر الريح الحدود. وفتح تعاون خالد مع المنتجَين الكندي مايكل بروك (Michael Brook) والأميركي دون واز (Don Was) نافذة أوسع على الجمهور العالمي، من دون أن يفقد صوته نبرة الجزائر التي ولد فيها. ومع انتشار "Didi"، صار خالد وجهاً يعرّف العالم بالراي، وسفيراً لهذا اللون، وتجاوزت مبيعات الألبوم مليوناً ونصف المليون نسخة، وفق سيرته المنشورة لدى Universal Music France.

 

 

"Aïcha".. كيف رسّخ الشاب خالد حضور الراي في فرنسا؟

حين صدرت "Aïcha" في صيف 1996، لم تكن مجرد أغنية جديدة في رصيد الشاب خالد، بل لقاءً بين عالمين: صوت الراي الجزائري وقلم المغني والملحن الفرنسي الشهير جان جاك غولدمان (Jean-Jacques Goldman)، الذي كتبها وأنتجها. ومن هذا اللقاء وُلدت أغنية عن الحب، غنّاها خالد بالفرنسية ثم أضاف إليها مقطعاً عربياً من كلماته، فخرجت بنسخة ثنائية اللغة ضمن ألبوم "Sahra".

 

وصلت الأغنية إلى القمم سريعاً، فبلغت المرتبة الأولى في فرنسا، وتصدرت قائمة الأغاني في المنطقة الفرنكوفونية من بلجيكا ستة أسابيع، ودخلت قوائم سويسرا وهولندا وألمانيا. وحصدت شهادة الأسطوانة الماسية في فرنسا، وجاء ترتيبها الرابع في قائمة أغاني العام 1996، ثم نالت جائزة أغنية العام في "Victoires de la Musique" عام 1997.
لم تكن قصة "Aïcha" قصة أرقام فحسب، فقد سمع الجمهور فيها صوتاً ما زال يحمل نبرة الراي، يغني بلغة الأغنية الفرنسية، وبقيت العربية حاضرة في قلب الأغنية لا على هامشها. وبهذا المزج اتسعت دائرة جمهور خالد داخل فرنسا وخارجها، وتأكدت قدرته على العبور بين الأنماط والثقافات من دون أن يفقد هويته الفنية.

 

وفي السادس والعشرين من سبتمبر 1998، أضاءت باريس بثلاث "شموس" دفعة واحدة. على مسرح بيرسي، وقف خالد إلى جانب رشيد طه وفضيل في حفل حمل اسم "1، 2، 3 Soleils"، أمام قاعة امتلأت بنحو خمسة عشر ألف متفرج. رافقتهم فرقة موسيقية ضخمة، جمعت بين الأوركسترا الفرنسية والأوركسترا المصرية، وتلاقت فيها الآلات التقليدية بالحديثة، تحت إشراف البريطاني ستيف هيلاج (Steve Hillage) الذي تولى الإنتاج والتوزيع الموسيقي. وأدار حسام رمزي الأوركسترا المصرية وقاد الإيقاع، وتولى محمود سرور، إلى جانب هيلاج، توزيع الأوتار، وانضم هاني فرحات إلى عازفي الكمان في الأوركسترا المصرية، فيما رافق عازف العود نبيل خالدي الأصوات الثلاثة بالعود والبانجو. وتناوب الثلاثة على أشهر أغانيهم وعلى بعض كلاسيكيات الأغنية الجزائرية، فتعانقت أصواتهم في "Didi" و"Aïcha" و"عبد القادر". وقد تحوّل التسجيل الحي إلى ألبوم من قرصين وثلاث وعشرين أغنية، حصد الذهبية مرتين في فرنسا، فيما بلغت أغنية "عبد القادر" المركز السادس في قائمة الأغاني الفرنسية. لم يكن الحفل مجرد ليلة غناء، بل إعلاناً بأن الراي، الذي ظل طويلاً محصوراً في الأحياء الشعبية وأوساط المهاجرين المغاربيين، قد بلغ أكبر قاعات باريس. فقد كان خالد، وإلى جانبه رشيد طه بروحه المتمردة، وفضيل بصوته الشاب، يجسدون ثلاثة أجيال وثلاثة أوجه لفن واحد، صار على أيديهم جزءاً من المشهد الموسيقي الفرنسي.

 

من الراي إلى الموسيقى العالمية.. تعاونات وتجارب مختلفة

انفتح الشاب خالد على ألوانٍ وثقافاتٍ موسيقية شتّى، وحاور فنانين ومنتجين من مشارب مختلفة؛ فبعد أن حمل صوته إلى العالمية في التسعينيات، التقت موهبته بالأسطورة الأميركية كارلوس سانتانا (Carlos Santana) في أغنية "Love to the People" عام 2004، حيث امتزجت أنغام الغيتار اللاتيني بنبرة الراي. وفي عام 2009، غنّى مع فرقة "Magic System" الإيفوارية "Même pas fatigué"، فكانت لقاءً بين الجزائر وأفريقيا السمراء، واعتلت الأغنية قمة قائمة الأغاني الفرنسية.

 

ثم جاء عام 2012 ليفتح فصلاً جديداً في مسيرته، حين وضع ثقته في المنتج المغربي العالمي ريدوان (Redone)، الذي أشرف على ألبوم "C'est la vie"، فصاغ مزيجاً نابضاً يجمع بين الراي والإلكترو والبوب وإيقاعات الرقص. وزاد الألبوم تنوعاً بحضور مغني الراب الأميركي بيتبول (Pitbull) في "Hiya Hiya"، والفرقة المغربية "مازاغان" (Mazagan) في "Dima Labess". أما الأغنية الرئيسية "C'est la vie" فقد حلّقت عالياً، وبلغت المركز الرابع في فرنسا، وحضرت كذلك في قوائم بلجيكا وسويسرا والسويد.
وهكذا أثبت خالد، "ملك الراي"، أن الأصالة لا تتعارض مع التجديد، فظلّ صوته يتجدد مع كل جيل، ويصل إلى جماهير جديدة، من دون أن ينسى الأرض التي نبت فيها، جزائره التي حملها في قلبه أينما حلّ.

 

خمسون عاماً من الحضور.. ماذا ترك الشاب خالد للموسيقى؟

على امتداد خمسة عقود، ظلّ اسم الشاب خالد مقترناً بحكاية الراي وتحوّلاته، منذ أن كان صوتاً شعبياً يتردد في شوارع وهران، إلى أن صعد المسارح الكبرى وتصدّر قوائم الأغاني في العالم. ولم يكتفِ بتقديم هذا اللون لجمهور أوسع، بل أعاد رسم ملامحه، فمزج إيقاعاته الجزائرية بالآلات والتوزيعات الحديثة، حتى صار الراي قادراً على عبور الحدود واللغات. وحين أدرجت اليونسكو الراي على قائمة التراث الثقافي غير المادي للبشرية عام 2022، أشارت إلى دور فنانين من بينهم خالد والشاب مامي في نقله من فضاءاته المحلية إلى آفاق العالمية.

 

على مستوى الجمهور، تحوّلت أغنيات مثل "Didi" و"Aïcha" و"عبد القادر" و"C'est la vie" إلى محطات راسخة في ذاكرة أجيال متعاقبة، فيما تجاوزت مبيعات ألبوماته ثلاثة ملايين نسخة حول العالم، بحسب موسوعة غينيس للأرقام القياسية. ومثّل الحفل الثلاثي "1, 2, 3 Soleils"، الذي جمعه برشيد طه وفضيل في باريس عام 1999، لحظة فارقة في تعريف الجمهور الفرنسي بالراي.
واليوم، تعود الأضواء لتتجه إلى مسيرته، إذ احتفل خالد بمرور 50 عاماً على انطلاقته الفنية في حفل بعنوان "Hier, Aujourd'hui, Demain" ("الأمس، اليوم، الغد") على مسرح "Dôme de Paris"، يومي 31 أكتوبر و1 نوفمبر 2026، مع "Paris One World Orchestra" بقيادة الموسيقار الجزائري البارز فريد عوامر، في أمسيتين تستعيدان محطات مشواره وأغنياته التي رافقت أجيالاً من المستمعين. وهي مناسبة تتجاوز الاحتفاء بذكرى فنية، فهي تستحضر رحلة فنان حمل الراي الجزائري من أزقة وهران إلى المسارح العالمية، وأبقاه حاضراً في المشهد الثقافي الدولي.
العلامات الدالة

الأكثر قراءة

فن ومشاهير 11/2/2026 11:33:00 AM
اشتعلت أزمة إلهام شاهين ومرتضى منصور إثر تصريحاته القاسية ضدها على خلفية مهرجان الجونة السينمائي، لترد النجمة بحسم على لجان "السوشال ميديا" والمنتقدين.
فن ومشاهير 11/3/2026 10:03:00 AM

بإطلالةٍ استحضرت تراث الكرك وحملت دلالات التضامن، لفتت الملكة رانيا الأنظار في مراسم خطاب العرش بـ "المدرقة الكركية".