قصة كريستوفر غصوب والفخار اللبناني... وجائزة من معهد العالم العربي في باريس (صور وفيديو)
قد تحمل الحِرف القديمة ذاكرة الأماكن التي نشأت فيها. هذا ما ينطبق على الفخار في بيت شباب، القرية اللبنانية المعروفة بهذه الحرفة، حيث تناقلت الأجيال صناعتها وحافظت عليها. لكن قصة الفنان الشاب كريستوفر غصوب تتجاوز الفخار بحد ذاته؛ فهو، في الثانية والعشرين من عمره، اختار أن يتمسّك بحرفة كادت تختفي، وأن يحوّلها من إرث ينتمي إلى الماضي إلى مشروع ينتمي إلى المستقبل، إلى أن حملها معه إلى باريس، حيث حصد جائزة "Impact" من Arab" Bank Switzerland" ضمن جائزة التصميم التي ينظمها معهد العالم العربي في باريس.
في يديه، لا يتحوّل التراب إلى قطع فنية فحسب، بل إلى أوانٍ وقطع للاستخدام اليومي، وصولاً إلى طلبيات كبيرة من لبنان وخارجه. ومن هنا تبرز خصوصية تجربته؛ فهو لا يكتفي بالحفاظ على الفخار بصورته التقليدية، بل يمنحه مساحة جديدة في الحياة المعاصرة، من دون أن يفقد صلته بهوية المكان.
جائزة "Impact" في باريس
بالنسبة إلى غصوب، لا تمثّل الجائزة اعترافاً بجهده الشخصي فقط، بل بقصة بيت شباب وحرفتها أيضاً. ويقول في حديثه لـ"النهار": "هذه الجائزة ليست مجرد تكريم شخصي، بل اعتراف بقصة بيت شباب وبأهمية الحفاظ على تراثها وحرفتها".

لكن طموحه لا يتوقف عند التكريم، فهو لا يريد أن يكون "آخر صانع فخار في بيت شباب"، بل يسعى إلى أن يتعلم جيل جديد هذه الحرفة ويحوّلها إلى مصدر عمل مستمرّ.
من بيت شباب تبدأ الحكاية
تبدأ حكاية كريستوفر من بيت شباب ومن عائلة ارتبطت بهذه الحرفة. يروي غصوب أن صناعة الفخار في بيت شباب تعود إلى زمن بعيد، إذ كان في البلدة، بين عامَي 1720 و1950، أكثر من 50 معملاً وورشة للفخار، لتشكّل هذه الحرفة جزءاً أساسياً من هوية المنطقة، إلا أن الحرب الأهلية اللبنانية أدّت إلى هجرة معظم الحرفيين، فتراجعت الصناعة تدريجياً حتى كادت تختفي من البلدة.

وكان العم فوزي فاخوري، أحد آخر صانعي الفخار في البلدة، نقطة التحوّل في حياة غصوب. فبعد وفاته، شعر الشاب بمسؤولية الحفاظ على الحرفة، فبدأ تعلّمها وتطوير مهاراته إلى أن أسّس ورشته الخاصة.
ويقول: "لم أخطط للعمل في الفخار. لكن بعد وفاة العم فوزي شعرت بأن عليّ مسؤولية الحفاظ على هذه الحرفة. ومع الوقت أحببتها، وأدركت أنها تجمع بين الفن والتراث والبلدة التي أنتمي إليها".
من تراب بيت شباب إلى القطعة النهائية
تبدأ القطعة من تراب بيت شباب، الذي يستخرجه غصوب وينظفه ويغربله قبل عجنه وتشكيله على الدولاب. وبعد أن تجف بين أسبوع وثمانية أيام، تدخل الفرن للمرة الأولى على حرارة تقارب الـ 1000 درجة مئوية، ثم تُغسل وتُلوّن وتعود إلى الفرن مرة ثانية على حرارة تصل إلى 1200 درجة.
يرى غصوب أن هذه العملية تختصر جوهر الفخار: "الفخار يجمع العناصر الأربعة التي تكوّن العالم: التراب، والماء، والهواء، والنار".
لا يكتفي غصوب بإعادة إنتاج الأشكال التقليدية، بل يتعاون مع مصممين لتحويل أفكار معاصرة إلى قطع فخارية، مؤمناً بأن دمج الحرفة بالتصميم يمكن أن يمنحها استمرارية جديدة.

حرفة تنتقل من جيل إلى جيل
يحمل جدّه جورج غصوب، البالغ 97 عاماً، جزءاً آخر من ذاكرة هذه الحرفة. بدأ العمل في الفخار في السادسة عشرة من عمره إلى جانب والده، قبل أن يغادر لبنان لاحقاً. واليوم، يرى في تجربة حفيده امتداداً لهذه الذاكرة. ويقول عن كريستوفر: "أنا فخور جداً به. لديه موهبة خاصة وحب كبير لهذه الحرفة".
وبين ذاكرة الجد ورؤية الحفيد، تتحول حكاية الفخار في بيت شباب من حرفة مهددة بالاندثار إلى مشروع يحاول أن يمنحها مستقبلاً جديداً.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
كانت عائلتها توثّق تفاصيل حياتها اليومية، من اللعب وحضور مواعيدها الطبية، إلى قضاء الوقت مع أفراد عائلتها.
نبض