نجومية متفجرات "حزب الله"
رفيق أبي يونس
بعدما اتّهم رئيس تحرير جريدة "حزب الله"- مطبوعة مرخص لها من وزارة الإعلام اللبنانية- رئيسي الجمهورية والحكومة في لبنان بالاحتيال، ولـم ينتبه الرئيسان لذلك، قيل إن لبنان ما زال بخير، والسلطات الدستورية لم تعر الشتائم أهمية. ولمّا تبلّغ اللبنانيون موقف رئيس الحكومة الذي وصف محتويات شحنة الـمتفجرات العائدة إلى "حزب الله" بأنها مواد استعملت سابقاً للتفجير والاغتيال، ثم وجّه رئيس الجمهورية الجهات الأمنية والقضائية بالذهاب فـي التحقيق إلى نهايته، ردا على إنذار نائب الحزب حسن فضل الله من منبر المجلس النيابي للسلطات الرسمية بضرورة إعادة المتفجرات إلى حزبه، اتفق اللبنانيون على أن الدولة أمسكت بطريق العودة إلى مسؤولياتها.
وعندما انتشر فـي الأوساط المتابعة جواب الرئيس نبيه بري عن طلب موفد "الحرس الثوري" معاون وزير الخارجية الإيراني سعيد خطيب زاده، بناء على رجاء "حزب الله" بضرورة تضييق هامش التباين مع الحزب، وكان جواب الرئيس بري: "على الـحزب أن يتعقّل لأننا لـم نعد نستطيع تـحمل مغامرات جديدة"، أجـمع الـمتابعون على اعتبار الجواب بمثابة السعي إلى الاستقواء بالوطنية اللبنانية من جهة عادت لتنتزع غلبة التقرير باسم الطائفة الشيعية الكريمة، وإن هذه الغلبة الآخذه فـي الاتساع، والتي كانت حاسـمة لـمصلحة "حزب الله"، لـم تعد تقوى عليها وعلى السلطات الأمنية سرايا الدرجات النارية المتنقلة.
متفجرات الحزب وتوابعها التي أصبحت في قبضة الأجهزة الأمنية وأحيلت على القضاء المختص مع ناقليها لتحديد مراجعهم، أكثر أسلحة "حزب الله" شبيهة بها. أعادت هذه الشحنة إلى أذهان اللبنانيين الحقبة الأكثر سواداً وترهيباً التـي امتدّت منذ بداية عام 2005 عندما اتخذ قرار إيراني - سوري بتصفية قادة المعارضة والرأي فـي لبنان، واستمرّ هذا التهديد حتـى منتصف 2007، موعد اجتماع التهاني بالإنجاز فـي دمشق بين أحمدي نجاد وبشار الأسد وحسن نصرالله، الذي بشّر بعد عام بأن اقتحام بيروت "يوم مجيد".
ليس هناك تظهير ألطف من ذلك لوظيفة متفجرات الحزب التي استطلعت قوتين دفعة واحدة: انعدام قدرة الحزب على ما كان يستسهله، وتثبيت قدرة الدولة على ما كانت لا تستطيعه.
لم يكن وحده السجال الاستقطابي الحاد حول سلاح "حزب الله" موضوع المعركة السياسية في لبنان بعد نجومية متفجراته. يمكن القول إن هذا الامتحان المتواضع للأجهزة الأمنية قدّم قراءة أهدأ لنهاية السلاح. في طليعة ما لم يلحظه الإعلام أن القدرات العسكرية والأمنية للحزب، بصرف النظر عمّا تبقّى منها، هي في حالة عُطل لجهة تأثيرها المعنوي.
فـي السابع من أيار 2008 وبعده، استسلم الجميع لسلاح الحزب وكان الجانب المعنوي والنفسي هو الحاسم، ولذلك طالت الـمفاعيل السياسية لهذا الاستسلام لعقد ونصف عقد.
لـم يكن بسيطاً ولا تلقائياً على كل الأطراف اللبنانية ولا على الدولة، أن تلاحق سلاحا حرّر الـجنوب بـهذا الاصرار عام 2000، لو لـم ينتج الحزب بنفسه وعياً لبنانياً عاماً معادياً لـهذا السلاح، غدا معه مشروع التحرير محطة لـم يكن بعدها سوى إسقاط لها ولقيمتها فـي تاريخ الصراع العربي - الإسرائيلي.
بين انعدام القدرة على التعامل مع الاحتلال تحت عنوان الـمقاومة، وتتالي إجراءات الدولة في عدم التساهل بإجازة التنسيق العسكري والأمني مع "حزب الله"، ومع مصادفة السلاح منقولاً كما يـجري الآن، فإن مثل هذا التراكم يخرج السلاح من المعادلة ويحوّله إلى خردة تبحث عن سبيل.
إن العمليات العسكرية التي تتحسب لها المنطقة، مسألة تتعلّق مرّة جديدة بسلوك "حزب الله" وبقدراته المقيّدة والمحدودة. التنبه هذه المرّة ليس من الرؤوس الحامية إنما من الرؤوس الفارغة من معرفة ماذا جرى وماذا يمكن أن يجري في لبنان والمنطقة.
وأوّل ما تقتضيه الـمعرفة أن لبنان ما قبل الـمفاوضات مع إسرائيل هو غيره ما بعدها، بصرف النظر عن نتائجها الآجلة أو العاجلة، والرهان على انتصار الحوثي على اليمنيين سبقه رهان على انتصار "حزب الله" على اللبنانيين والسوريين.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
بإطلالةٍ استحضرت تراث الكرك وحملت دلالات التضامن، لفتت الملكة رانيا الأنظار في مراسم خطاب العرش بـ "المدرقة الكركية".
نبض