بين خسائر السيادة وسندات الملكية المعلّقة لمَ يبدأ ترسيم الحدود من جرود بعلبك - الهرمل؟

لبنان 06-08-2026 | 11:12

بين خسائر السيادة وسندات الملكية المعلّقة لمَ يبدأ ترسيم الحدود من جرود بعلبك - الهرمل؟

حسم ملف ترسيم الحدود اللبنانية - السورية انطلاقاً من بعلبك - الهرمل وتعميمه حتى دير العشائر، يمثل المدخل القانوني والهندسي الوحيد لتثبيت السيادة وتحويل الحدود من بؤر استنزاف إلى مناطق استقرار قانوني...
بين خسائر السيادة وسندات الملكية المعلّقة لمَ يبدأ ترسيم الحدود من جرود بعلبك - الهرمل؟
جرود بعلبك - الهرمل (أرشيفية).
Smaller Bigger

تضع التطورات الميدانية والحدودية المتلاحقة على طول السلسلة الشرقية ملفاً سيادياً طال أمره فوق طاولة القرار، لتبدو محافظة بعلبك - الهرمل مجدداً في قلب العاصفة الأمنية والعقارية والاجتماعية.

ففيما يرزح الشريط الحدودي الممتد من نقطة العريضة شمالاً إلى دير العشائر جنوباً وشرقاً تحت غموضٍ جغرافي وقانوني متراكم منذ عقود، تتجلى خطورة هذا الفراغ في قضاءي بعلبك والهرمل، حيث يتحول غياب التحديد والترسيم إلى قنبلة موقوتة تستنزف أجهزة الدولة وأهالي المنطقة كل يوم.

المطالبة بالبدء الفوري بإعداد الدراسات والتجهيز الميداني لترسيم الحدود بين لبنان وسوريا ليست ترفاً سياسياً، أو خياراً مؤجلاً، بل هي ضرورة أمنية واقتصادية ملحة تبدأ من وجع القرى الحدودية في بعلبك - الهرمل، لتكون منطلقاً ونموذجاً يُعمّم لاحقاً كمعادلة سيادية شاملة على كل الحدود اللبنانية - السورية.

 

أزمة قانونية وعقارية

في الجولة الميدانية بين بلدات الهرمل، والقاع، ورأس بعلبك، وعرسال، وطفيل ومعربون، يظهر عمق الأزمة القانونية والعقارية التي يعيشها الأهالي، حيث يُمثّل قطاع بعلبك - الهرمل الخزان الأكبر للمخاطر الحدودية والنقاط الشائكة التي تتجاوز عدداً كبيراً من نقاط التداخل الحادة الأثر.

وتظهر المشكلة الأولى في تجميد عمليات التحديد والتحرير العقاري المنصوص عليها قانوناً، مما يترك آلاف الدونمات الزراعية المملوكة للبنانيين داخل خطوط التماس أو في الجانب السوري بلا صحائف عقارية نهائية في السجل العقاري.

هذا الفراغ القانوني يُعطل مبدأ استقرار الملكية العينية المكرس دستورياً، ويفتح الباب أمام نزاعات الحيازة المتوارثة. ويختصر أحد مزارعي القاع جورج وهبي هذه المأساة بالقول إنهم يحرثون الأرض ويزرعونها منذ عقود دون امتلاك سند ملكية رسمي يضمن حق أولادهم أمام الدولة.

يضاف إلى ذلك أن التضاريس الجبلية المعقدة في جرود السلسلة الشرقية تسببت بتعطل الصلاحيات الإدارية والقانونية، مما يحرم البلديات والمؤسسات الرسمية النطاق البلدي والولاية القانونية لتنفيذ البنى التحتية التنموية.

ولا يمكن معالجة هذه المعضلة العميقة إلا بالانتقال من الوصف الجغرافي التاريخي الموروث إلى الحلول الهندسية والديبلوماسية الحديثة، حيث يُشكل قطاع بعلبك - الهرمل حجر الزاوية الذي يمكن تعميمه على بقية القطاعات من العريضة والجوسية إلى معربون والطفيل وراشيا ودير العشائر ومزارعها، علما أن بقاء هذه الحدود في منطقة رمادية يُبدد الموارد عبر التهريب المنظم ويُربك الأجهزة الأمنية في تطبيق الاختصاص القضائي المكاني.

 

جرود بعلبك - الهرمل (أرشيفية).
جرود بعلبك - الهرمل (أرشيفية).

 

استنفار وتنسيق

تقتضي هذه المواجهة استنفاراً وتنسيقاً وثيقاً بين أربع وزارات وإدارات لبنانية أساسية، تبدأ بوزارة الدفاع الوطني المتمثلة في الجيش اللبناني عبر مديرية الشؤون الجغرافية (المسؤولة عن الإسقاطات الميدانية والرفع الطبوغرافي) ومديرية المخابرات وأفواج الحدود البرية لتأمين الشريط وتنفيذ المسح الطبوغرافي وتثبيت النقاط، بالتكامل مع وزارة الداخلية والبلديات عبر السلطات المحلية لجمع الوثائق العقارية التاريخية وإحصاء الملكيات وتفادي النزاعات الأهلية.

وتستكمل وزارة المال هذا الجهد من خلال مديرية الشؤون العقارية وإدارة المساحة كمرجع هندسي وقانوني لتنظيم السجلات والخرائط الرسمية وحماية حقوق الملكية الفردية، بينما تتولى وزارة الخارجية والمغتربين تأطير المفاوضات الثنائية مع الجانب السوري، وصياغة الاتفاقيات الدولية، ومتابعة إيداع الخرائط والوثائق لدى الأمم المتحدة.

وللعبور من مرحلة إدارة الأزمة إلى حلها الشامل، تبرز خريطة طريق ميدانية تتطلب إعادة تفعيل اللجنة العليا المشتركة لترسيم الحدود بين البلدين وتأطير أعمالها بجدول زمني صارم. ويقتضي تطبيق هذا الحل على الأرض، خريطة الطريق الفنية والاعتماد على نظام الإحداثيات العالمي (WGS84)  والمطابقة الهندسية للخرائط التاريخية الفرنسية والعثمانية مع المسح الجوي البانكروماتي وتقنيات الدرون ونظم المعلومات الجغرافية(GIS)  لمطابقة الخرائط التاريخية مع خطوط الانكسار الطبوغرافية بمرجعية الملليمتر.

 

كذلك يقتضي الحل القانوني حتماً فصلاً شجاعاً بين سيادة الدولة وملكية الأفراد، بحيث تخضع الأرض لسيادة الدولة التي تقع ضمن حدودها الدولية الرسمية، مع ضمان الحقوق العقارية والتصرف الاستثماري للمواطنين عبر اتفاقيات ثنائية متبادلة ومصونة بالقانون.

في المحصلة، إن حسم ملف ترسيم الحدود اللبنانية - السورية انطلاقاً من بعلبك - الهرمل وتعميمه حتى دير العشائر، يمثل المدخل القانوني والهندسي الوحيد لتثبيت السيادة وتحويل الحدود من بؤر استنزاف إلى مناطق استقرار قانوني وتنمية مستدامة.

فهل تملك الحكومتان الجرأة السياسية والقرار الميداني لفتح هذا الملف بحزم، أو ستبقى حدود بعلبك - الهرمل ومستقبل الحدود اللبنانية بأكملها رهينة الخطوط الرمادية إلى أجل غير مسمى؟

الأكثر قراءة

النهار بيديا 9/21/2026 11:05:00 AM
نعى الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم شقيقه الشيخ أحمد بن راشد آل مكتوم، الذي تُوفي صباح اليوم الاثنين، مستذكراً إياه بالدعاء، فيما كان الراحل شخصية بارزة في المجالات الأمنية والرياضية والاقتصادية في دبي، وشغل منصب نائب رئيس شرطة دبي والأمن العام وترأس نادي الوصل.
شمال إفريقيا 9/24/2026 7:22:00 AM
يحتفظ الملك بصلاحيات واسعة في تحديد التوجّهات السياسية وملفات الدفاع والشؤون الخارجية.
لبنان 9/23/2026 8:25:00 AM
المتّهم اعترف بارتكابه هذا الفعل، فيما تستمر التحقيقات بإشراف القضاء المختص لكشف كامل الملابسات والدوافع.
سياسة 9/23/2026 5:45:00 AM

يُضرب موعد مع الإضرابات والتحركات المطلبية الأسبوع المقبل، مع رصد الاجتماعات العمالية هذا الأسبوع لتحديد خريطة الاعتراض الشعبي على موجة الغلاء. فمن يتحرك؟ وما مدى الاستجابة للمطالب؟