إبستين جديد في البرازيل؟ فضيحة مصرفي تهز الإعلام والسلطة
قبل يوم من الجولة الثانية للانتخابات الرئاسية البرازيلية، المقرّرة في 25 تشرين الأول/أكتوبر 2026، تبقى فضيحة المصرفي السابق دانيال فوركارو، التي شكّلت محوراً متكرّراً في الحملة الانتخابية، حاضرة في المواجهة بين الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا ومنافسه فلافيو بولسونارو. فالقضية التي بدأت بانهيار مصرف "بانكو ماستر" واتسعت إلى شبهات احتيال مالي، كشفت شبكة علاقات متشعّبة نسجها فوركارو مع سياسيين وقضاة ومسؤولين نافذين، فيما أثارت تحويلات مالية مرتبطة بإنتاج فيلم عن الرئيس السابق جايير بولسونارو تساؤلات بشأن طبيعة علاقته بابنه فلافيو.
وتُظهر رسائل ووثائق تناولتها تحقيقات صحافية أنّ فلافيو بولسونارو تفاوض مباشرة مع فوركارو بشأن تمويل فيلم "دارك هورس" (Dark Horse) الذي يتناول سيرة والده، فيما تشير وثائق للشرطة الفيدرالية إلى تحويل جزء من الأموال عبر شركات وصندوق استثماري في الولايات المتحدة، وتثير تساؤلات بشأن دور شقيقه إدواردو بولسونارو في إدارة هذه الأموال. ويخضع فلافيو لتحقيق رسمي في القضية، لكنه ينفي ارتكاب أي مخالفة أو تقديم امتيازات سياسية مقابل التمويل.
وفي خضمّ السباق الانتخابي، تحوّلت القضية إلى مادة للتجاذب السياسي، مع محاولات لربط فوركارو بالرئيس لولا، رغم عدم ثبوت تورّطه شخصياً في المخالفات المنسوبة إلى المصرفي. وهكذا، لم تعد الفضيحة تقتصر على مصير مصرف متعثّر، بل باتت تثير أسئلة عن كيفية استخدام الثروة والعلاقات الشخصية للوصول إلى مراكز القرار والتأثير فيها.
فلافيو بولسونارو وفوركارو... علاقة تتجاوز المعرفة الشخصية؟
كشفت تسجيلات صوتية ورسائل نشرها موقع "ذي إنترسبت برازيل" في أيار/مايو 2026 أنّ فلافيو بولسونارو أجرى اتصالات ومفاوضات مباشرة مع دانيال فوركارو بشأن تمويل فيلم "دارك هورس" عن والده. وبلغ التمويل المتفاوض عليه نحو 134 مليون ريال برازيلي (قرابة 24 مليون دولار)، لكنّ المبالغ التي حُوّلت فعلياً بلغت نحو 61 مليون ريال (قرابة 11 مليون دولار)، وفق الوثائق التي تناولتها التحقيقات الصحافية.
وفي إحدى الرسائل المؤرخة في تشرين الثاني/نوفمبر 2025، خاطب فلافيو المصرفي بكلمة "أخي"، في تعبير ودّي شائع في التخاطب البرازيلي، مؤكداً وقوفه إلى جانبه، وطالباً منه توضيحاً بشأن مسألة عالقة. وأُرسلت الرسالة قبل اعتقال فوركارو للمرة الأولى، بحسب التحقيق المنشور. وتُظهر المراسلات مستوى التواصل المباشر بين الرجلين، لكنها لا تشكّل في حدّ ذاتها دليلاً على ارتكاب مخالفة.
ولم تقتصر التساؤلات على تمويل الفيلم. فقد كشفت وثائق الشرطة الفيدرالية أنّ فلافيو كان يتواصل مباشرة مع فوركارو للمطالبة بالدفعات ومتابعة المشروع، فيما أشارت الرسائل إلى دور لإدواردو بولسونارو في توجيه كيفية إدارة الأموال داخل الولايات المتحدة، عبر صندوق "هافنغيت" (Havengate) المرتبط بالمحامي باولو كاليكستو. وتحقّق السلطات في شبهات استخدام جزء من الأموال لتغطية نفقات إدواردو خلال إقامته في الولايات المتحدة.
وكانت المحكمة الاتحادية العليا قد أذنت في تموز/يوليو بفتح تحقيق في التحويلات المرتبطة بالفيلم. وفي أيلول/سبتمبر، كشفت وثائق رفعت عنها السرية أنّ فلافيو مشمول رسمياً بتحقيق الشرطة الفيدرالية بشأن دوره في جمع الأموال، بعدما أظهرت المراسلات لقاءات ومطالبات متكررة بالدفعات.
في المقابل، يؤكّد فلافيو أنّ تمويل الفيلم كان استثماراً خاصاً مشروعاً، نافياً حصول شقيقه على أموال لأغراض شخصية أو تقديم أي منفعة سياسية لفوركارو. ولم يصدر حكم قضائي يثبت ارتكابه أو ارتكاب إدواردو مخالفات في هذه القضية.
وتكتسب القضية حساسية إضافية مع الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية، إذ بات أحد طرفَي المنافسة مرتبطاً بمفاوضات مالية موثّقة مع المصرفي الذي يواجه تحقيقات واسعة، فيما لم يُثبت وجود تورّط شخصي مماثل للرئيس لولا في أنشطة فوركارو غير القانونية.

شبكة نفوذ وصلت إلى القضاء والبرلمان
وامتدت شبكة علاقات فوركارو إلى دوائر السلطة في البرازيل. فقد كشف تحقيق لوكالة "رويترز"، نُشر في آذار/مارس 2026، أن المصرفي البالغ 42 عاماً نجح في بناء علاقات مع قضاة في المحكمة العليا ورئيسَي مجلسَي النواب والشيوخ ومسؤولين في المصرف المركزي البرازيلي.
وبحسب وثائق اطّلعت عليها الوكالة، أنفق فوركارو ما لا يقلّ عن 120 مليون دولار على رحلات وحفلات فاخرة بين عام 2024 ونيسان/أبريل 2025، فيما بقي مصدر هذه الأموال غير واضح.
وتكشف هذه العلاقات اتساع الدائرة التي سعى المصرفي إلى التحرك داخلها، من القطاع المالي إلى مؤسسات صنع القرار.
ووصلت علاقاته أيضاً إلى الرئيس البرازيلي لولا، الذي التقى فوركارو في اجتماع حضره رئيس المصرف المركزي، وساهم وزير المالية السابق غيدو مانتيغا في ترتيبه. وأوضح لولا لاحقاً أنّه أبلغ فوركارو بأنّ المصرف المركزي سيتولّى النظر في وضع مصرفه واتخاذ القرارات اللازمة بعيداً من أي تدخّل سياسي.
لكنّ اللقاء لا يثبت تورّط لولا في أنشطة المصرفي أو المخالفات التي يُشتبه في ارتكابه إياها. وفي تشرين الأول/أكتوبر 2026، نفت الشرطة الفيدرالية صحة معلومات عن إفادة مزعومة لفوركارو بشأن تمويل فيلم عن لولا، مؤكّدة أنه لم يقدّم إليها إفادة أو وثائق بالمضمون الذي نُشر. ويُبرز ذلك أهمية الفصل بين العلاقات السياسية المثبتة ومحاولات توظيف القضية انتخابياً.

حفلات خاصة وشبهات استغلال
وتتجاوز الشبهات المحيطة بفوركارو عالم المال والسياسة. فقد كشف تحقيق نشره موقع "يو أو ال" (UOL) البرازيلي في 13 تشرين الأول/أكتوبر 2026 عن رسائل وعقود وتحويلات مالية تشير إلى احتمال تمويله شبكة لاستقدام نساء، بينهن لاجئات أوكرانيات، إلى حفلات خاصة شارك فيها أشخاص نافذون. وبحسب التحقيق، بلغت الأموال التي ضُخّت في هذه الأنشطة ما لا يقلّ عن 4.3 ملايين ريال برازيلي (نحو 800 ألف دولار) .
وفي 23 تشرين الأول/أكتوبر، أفاد "يو أو ال" بأنّ الشرطة الفيدرالية طلبت إذناً من المحكمة الاتحادية العليا للتحقيق في شبهات الاتجار بالنساء والاستغلال الجنسي المرتبطة بهذه الحفلات. وينفي فوركارو استغلال النساء، ويشكّك في صحة بعض المراسلات وسياقها.
وتُعيد هذه المعطيات إلى الأذهان بعض الأساليب التي استخدمها المدان بجرائم جنسية جيفري إبستين لبناء علاقات مع شخصيات نافذة، من خلال المال والحفلات والدوائر الاجتماعية المغلقة والاحتفاظ بالمراسلات. لكنّ المقارنة تقتصر على أساليب بناء النفوذ واستقطاب أصحاب السلطة، ولا تعني تشابه الجرائم أو المسؤوليات الجنائية. ولا توجد أدلة منشورة تثبت تورّط فوركارو في اعتداءات جنسية على قاصرات، على غرار الجرائم المرتبطة بإبستين.
النفوذ يمتدّ إلى المؤسسات الإعلامية
وكشفت رسائل استخرجتها الشرطة الفيدرالية من هاتف فوركارو، المالك السابق لمصرف "بانكو ماستر"، عن محاولات للتأثير في التغطيات الصحافية لعدد من أبرز المؤسسات الإعلامية، عبر عقود إعلانية واستثمارات وعلاقات مباشرة مع مسؤوليها.
وأظهر تحقيق نشره "يو أو ال" أن نفوذ فوركارو تجاوز طلب تغطيات إيجابية لأعماله، ليشمل الاطلاع على مقالات قبل نشرها، والمطالبة بتعديلها أو حذف معلومات منها، وصولاً إلى طلب نشر تقارير تستهدف خصوماً سياسيين.
إقالة في "غلوبو"
وأعلنت مجموعة "غلوبو"، إحدى أكبر المجموعات الإعلامية في أميركا اللاتينية، في 15 تشرين الأول/أكتوبر إقالة المدير العام لقطاع الإعلام المطبوع والإذاعة فريدريك كاشار، بعد تسريب محادثاته مع فوركارو.
وكشفت الرسائل أن المصرفي طلب من كاشار تأمين ظهور صديقته آنذاك، المؤثرة مارثا غريف، على غلاف مجلة "فوغ". وردّ كاشار بأن الأمر يحتاج إلى وقت، لكنه وعد بتأمين تغطية بارزة لها في منشورات المجموعة، بينها "فوغ" و"ماري كلير" و"إيلا".
وبعد ثلاثة أيام، نشرت المجلات الثلاث تقارير عن علامتها التجارية. وأعرب فوركارو عن رضاه عن التغطيات، فيما واصل كاشار مناقشة إمكان ظهورها لاحقاً على غلاف إحدى المجلات.
كما أظهرت المحادثات اعتراض فوركارو على تقارير تناولت أنشطة مصرفه، وتهديده بإلغاء رعاية إعلانية. لكن كاشار دافع في بعض الحالات عن استقلالية الصحافيين، مؤكداً ضرورة عرض مختلف وجهات النظر.
وأقرّت "غلوبو" بأن الرسائل كشفت عن علاقة غير ملائمة مع أحد المعلنين، مع تشديدها على استقلالية مؤسساتها الصحافية.
أموال مقابل الأخبار؟
وامتدت الفضيحة إلى مؤسسات إعلامية أخرى، بينها "ميتروبوليس" و"إيستويه" و"برازيل جورنال" و"كارتا كابيتال".
فبحسب تحقيق "يو أو ال"، ارتبط فوركارو بموقع "ميتروبوليس" بعقد إعلاني بلغت قيمته 20 مليون ريال برازيلي (نحو 4 ملايين دولار). وأظهرت الرسائل عرض 14 مقالاً على المصرفي قبل نشرها، خضع 11 منها لتعديلات طلبها، فيما نُشر مقالان بناءً على طلبه.
لكن المديرة التنفيذية للموقع ليليان تاهان نفت تأثير العقد الإعلاني في التغطية، معتبرة أن إرسال المقالات مسبقاً كان بهدف التحقّق من المعلومات.
وفي مجلة "إيستويه"، كشفت المحادثات عن طلب فوركارو نشر مادة على الغلاف تتناول شركة أدوية يستثمر فيها، فضلاً عن مطالبته بمراجعة الأخبار المتعلقة بسياسيين محدّدين قبل نشرها.
أما موقع "دياريو دو سنترو دو موندو"، فأشارت الرسائل، وفق تحقيق "يو أو ال"، إلى اتفاق مزعوم على دفعات مالية شهرية مقابل الامتناع عن نشر انتقادات لفوركارو ومصرفه، مع إمكان نشر مواد تخدم مصالحه.
غير أن الموقع ردّ بأن الرسائل لم تحدّد أيّاً من مسؤوليه مستفيداً من الاتفاق المزعوم، مؤكداً أنه نشر أكثر من 60 تقريراً ينتقد فوركارو وشركاءه، وأن الشرطة الفيدرالية لم تفتح تحقيقاً بحق الموقع أو العاملين فيه.
وكشفت المحادثات أيضاً عن علاقات مالية بين فوركارو ومجلة "كارتا كابيتال"، شملت عقود رعاية ومناقشات بشأن احتمال دخوله شريكاً فيها، من دون إتمام الصفقة. لكن مديرة المجلة مانويلا كارتا أكّدت أن العلاقة التجارية مع مصرف "ماستر" استندت إلى عقود إعلانية اعتيادية، نافية أن يكون فوركارو قد طلب نشر أخبار إيجابية أو التدخّل في المحتوى الصحافي.
انهيار المصرف واعتقاله
وبحسب "رويترز"، بدأت أزمة "بانكو ماستر" مع اعتماده على بيع أدوات دين بعوائد أعلى من المتوسط، مقابل استثمارات شديدة المخاطر، قبل أن يواجه أزمة سيولة.
وفي عام 2024، اكتشف مراقبون ماليون أن المصرف لا يملك سوى 4 ملايين ريال برازيلي نقداً (نحو 770 ألف دولار)، رغم أن حجمه كان يستدعي احتياطيات سائلة تُقدّر بمليارات الريالات.
واعتُقل فوركارو في تشرين الثاني/نوفمبر 2025 في مطار ساو باولو، قبل أن يقرّر المصرف المركزي تصفية "بانكو ماستر" في اليوم التالي. وهو متهم بقيادة مخطط احتيالي عبر مصرفه، تضمن عمليات مكثفة لجمع الأموال، ووعوداً بعوائد غير واقعية، وتلاعباً في الميزانيات العمومية. وأُفرج عنه لاحقاً، ثم أُعيد اعتقاله في آذار/مارس 2026 للاشتباه في تدخّله في التحقيقات، فيما ينفي محاموه ارتكابه أي احتيال أو تدخّله في عمل السلطات.
ومع توجّه البرازيليين إلى صناديق الاقتراع، تكشف قضية فوركارو عن إشكالية تتجاوز انهيار مصرف أو فضيحة علاقات شخصية: إلى أي مدى يستطيع أصحاب الثروات استخدام المال والعلاقات الخاصة للاقتراب من دوائر السلطة؟ وأين تنتهي العلاقات المشروعة وتبدأ شبهات شراء النفوذ؟
نبض