إسبانيا أمام منعطف سياسي... ماذا بعد إعلان الانتخابات المبكرة؟
يخوض رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز مغامرة بإعلانه إجراء انتخابات مبكرة في إسبانيا. ومن المرجح أن تهيمن أزمة السكن والهجرة وصعود حزب "فوكس" الشعبوي اليميني على الحملة الانتخابية.
كانت البيانات الاقتصادية لإسبانيا إيجابية أخيراً. لكن، على الصعيد السياسي، ظل البلد غارقًا في أزمة طويلة الأمد لعدة أشهر. يوم الإثنين، رد رئيس الوزراء الاشتراكي الديموقراطي بخطوة مفاجئة لكسر الجمود: فقد أعلن عن إجراء انتخابات مبكرة في 29 تشربن الثاني/نوفمبر.
لماذا يدعو سانشيز إلى إجراء انتخابات الآن؟
جاء هذا الإعلان المفاجئ في أعقاب هزيمة سياسية دراماتيكية للحكومة. يوم الجمعة الماضي، فشلت الإجراءات الطارئة التي اتخذها سانشيز لمعالجة أزمة السكن في البرلمان. وقد أدى سبعة نواب من حزب "جونتس" الكتالوني الانفصالي المحافظ، الذي اعتمدت الحكومة على دعمه منذ عام 2023، إلى إسقاط هذه الإجراءات. ويقول سانشيز إنه يدعو الآن إلى "أغلبية تقدمية أوسع بكثير".
جاءت الهزيمة بعد أشهر من تزايد عدم الاستقرار في القاعدة البرلمانية للحكومة. ولم يقر البرلمان الإسباني موازنة عامة منذ عام 2023.
وقد زادت الأزمة الأخيرة المتعلقة بالهجرة الجماعية إلى سبتة والعديد من فضائح الفساد التي تضمنت اتهامات موجهة إلى الحزب الاشتراكي الإسباني (PSOE) وأشخاص مقربين من سانشيز من الضغوط على الحكومة.
كما أدى الإخلاء القسري لماريا ديل كارمن أباسكال البالغة من العمر 87 عاماً، الشهر الماضي، إلى تحويل أزمة نقص المساكن فجأة إلى القضية السياسية الرئيسية.
أزمة السكن
ظل نقص المساكن على رأس قائمة مخاوف الإسبان منذ نحو ثلاث سنوات. ووفقاً لتقديرات بنك إسبانيا، يعاني البلد حالياً من نقص يبلغ نحو 750 ألف مسكن، وقد يتجاوز هذا الرقم المليون بحلول عام 2028.
يعيش أكثر من نصف الأشخاص الذين تتراوح أعمارهم ما بين 18 و34 عاماً مع والديهم أو يعتمدون عليهم مالياً. وقد ارتفعت أسعار العقارات أخيراً بوتيرة تبلغ ثلاثة أضعاف معدل ارتفاع الأجور. في إسبانيا، لا تمثل المساكن الاجتماعية سوى نحو 1.7٪ من إجمالي المساكن في البلاد، مما يضعها في أسفل سلم الاتحاد الأوروبي مقارنة بالدول الأعضاء الأخرى.
لهذا السبب، لم يستغرب الإعلام الأوروبي أن تنتشر مخيمات الاحتجاج في مدريد وأماكن أخرى رداً على محنة كارمن أباسكال، وأن ينزل عشرات الآلاف إلى الشوارع في جميع أنحاء البلاد.

هل يقترب حكم سانشيز من نهايته؟
منذ انتخابات عام 2023، يحكم سانشيز دون أغلبية في البرلمان. فقد شكل حزبه الاشتراكي الديموقراطي ائتلافاً مع تحالف "سومار" اليساري، لكنه اعتمد أيضاً على دعم أحزاب صغيرة. وشملت هذه الأحزاب أحزاباً إقليمية، أهمها حزب "جونتس".
وهذا يعني أن نوابه السبعة تمكنوا مرارًا وتكرارًا من تحديد ما إذا كانت مشاريع القوانين الحكومية ستحظى بأغلبية أم لا. وعلى مدار الدورة البرلمانية، أصبح هذا الترتيب غير مستقر بشكل متزايد. ففي النصف الأول من عام 2026 وحده، خسرت الحكومة ما يقرب من ربع الأصوات.
وتعدّ الموازنة العامة للدولة دليلاً على عمق هذا المأزق السياسي: لا تزال إسبانيا تعمل بموازنة عام 2023 لأن رئيس الوزراء لم يتمكن من تمرير موازنة جديدة عبر البرلمان طوال فترة ولايته. رفض "جونتس" في النهاية دعم سانشيز في سياسة الإسكان، مما تركه دون دعم في قضية كانت على رأس الأجندة السياسية في أعقاب الاحتجاجات التي عمت البلاد.
ماذا كانت التداعيات السياسية لأزمة سبتة؟
في نهاية تموز/يوليو، عبر أكثر من 70 ألف شخص الحدود من المغرب إلى سبتة في غضون فترة زمنية قصيرة. ورغم أن الحكومة أعلنت انتهاء الأزمة بعد ذلك بوقت قصير، فإن ما لا يقل عن 10,000 مهاجر كانوا لا يزالون في هذا الإقليم المحصور بعد مرور شهرين، والذي يبلغ عدد سكانه نحو 80,000 نسمة فقط. ولم تقم الشرطة بإخلاء مخيم مرتجل كان يعيش فيه نحو 3,000 شخص إلا يوم الأحد الماضي.
أدت الأزمة إلى تغيير سياسة الهجرة التي كان يتبعها سانشيز، والتي كانت ليبرالية نسبيًا في السابق. وتقترح مسودة جديدة اطلعت عليها رويترز تسريع إجراءات اللجوء والترحيل، فضلاً عن تشديد القواعد. وقد وجهت منظمات حقوق الإنسان انتقادات حادة.
هل المعارضة قوية؟
للوهلة الأولى، يدخل حزب الشعب المحافظ الإسباني الانتخابات البرلمانية المبكرة في نهاية تشرين الثاني/نوفمبر باعتباره المرشح الأوفر حظًا ليصبح أكبر كتلة برلمانية.
لكن الفائز الحقيقي في الأشهر الأخيرة هو حزب "فوكس" الشعبوي اليميني. وتشير استطلاعات الرأي حالياً إلى حصوله على ما يزيد قليلاً عن 18%، أي بزيادة نحو ست نقاط مئوية عن انتخابات عام 2023. وقد يؤدي الإقبال القوي على التصويت لصالح "فوكس" إلى زيادة فرص زعيم حزب الشعب ألبرتو نونيز فيجو في حشد مقاعد كافية لتشكيل أغلبية حاكمة من الأحزاب اليمينية المعتدلة.
ويضع زعيم حزب "فوكس" سانتياغو أباسكال الآن بثقة شروطًا للتعاون. ومن بين هذه الشروط إعطاء الأولوية للمواطنين الإسبان، وتحرير الاقتصاد، واتباع سياسة هجرة أكثر صرامة بشكل ملحوظ، بما في ذلك مفهوم اليمين المتطرف المتمثل في ترحيل الرعايا الأجانب إلى بلدانهم الأصلية.
من جانبه، يواجه فيجو مهمة صعبة في تحقيق التوازن. فلكي يحلّ محلّ سانشيز، عليه أيضًا كسب أصوات الناخبين من الوسط السياسي.
هل ستصوت إسبانيا أيضًا على ترامب وأوروبا؟
في التغطية الإعلامية الدولية، يُصوَّر سانشيز مرارًا على أنه أبرز منتقدي الرئيس الأميركي دونالد ترامب في أوروبا. فقد رفض رئيس الوزراء مطلب الرئيس الأميركي بزيادة الإنفاق الدفاعي إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي، ورفض السماح باستخدام القواعد الأميركية في إسبانيا في الحرب ضد إيران، وانتقد الهجمات الأميركية-الإسرائيلية.
ونتيجة لذلك، وصل الأمر بترامب في مرحلة ما إلى التهديد بقطع العلاقات التجارية. وفي الوقت نفسه، يضع سانشيز سياسته الأكثر ليبرالية في مجال الهجرة في مقابل سياسات الترحيل التي ينتهجها ترامب بشكل صريح، ويهاجم ما يسميه "الأوليغارشية التكنولوجية" في الولايات المتحدة.
كما يُعدّ سانشيز أحد أبرز القادة الاشتراكيين الديموقراطيين في دولة كبرى من دول الاتحاد الأوروبي. وإذا خسر اليسار الانتخابات الإسبانية المقبلة، فسيفقد المجلس الأوروبي أحد أكثر الأصوات صراحةً في معارضة ترامب، كما سيخسر رئيس وزراء عارض زيادة الإنفاق الدفاعي، ودافع عن نهج أكثر ليبرالية تجاه الهجرة، وانتقد إسرائيل بحدة أكبر بشأن الحرب في غزة مقارنة بمعظم نظرائه الأوروبيين.
نبض