التثدّي عند الرجال: مشكلة صامتة قد تخفي خللاً هرمونياً
تعرف على أسباب وأعراض التثدّي عند الرجال، وكيفية تشخيصه وعلاجه، بالإضافة إلى تأثيره النفسي والصحي وأهمية الفحص الطبي المبكر.
على شواطئ المتوسط، وفي النوادي الرياضية، يتجنب بعض الرجال خلع قمصانهم، ليس بسبب السمنة وحدها، بل بسبب بروز الثديين. مشكلة تبدو تجميلية، لكنها قد تتحول إلى مصدر حرج وعزلة، وأحياناً إلى إشارة تستحق البحث عن مرض كامن. إنها "التثدّي" (Gynecomastia)، حالة شائعة لا تعني ضعف الرجولة، ولا ترتبط حصراً بالوزن الزائد.
تقول طبيبة العائلة دينا رسلان لـ "النهار" إن لا إحصاءات موثوقة تثبت أن رجال حوض المتوسط أكثر إصابة بالتثدّي من غيرهم، "لكن انتشار السمنة، والتقدم في العمر، واستعمال بعض الأدوية والهرمونات، يجعل فهم هذه الظاهرة مهماً للصحة العامة". وبحسبها، تشير تقديرات طبية إلى أن التثدّي قد يظهر لدى نسبة كبيرة من الرجال بعد الخمسين، فضلاً عن ظهوره المؤقت في سن البلوغ. وبحسب تقديرات "مايو كلينك"، يتراوح انتشار التثدّي بين 24 و65% لدى الرجال الذين تتراوح أعمارهم بين 50 و80 عاماً، مع اختلاف النتائج باختلاف الدراسات والتعريفات المستخدمة. وليست هذه نسبة خاصة بسكان المتوسط، ولا تصلح دليلاً على تفشي الظاهرة إقليمياً.
ما الذي يحدث داخل الجسم؟
يمتلك الرجل نسيجاً غدياً صغيراً في الثدي. وعندما يزداد تأثير هرمون الإستروجين مقارنة بالتستوستيرون، قد ينمو هذا النسيج فيتضخم الثدي، أحياناً في جهة واحدة. تشدد رسلان على ضرورة التمييز بين "التثدّي الحقيقي"، أي نمو الغدة، و"التثدّي الكاذب"، أي تراكم الدهون في الصدر. وقد يجتمع الاثنان، ولذلك لا يُعدّ شكل الصدر وحده تشخيصاً.
تتعدد الأسباب. تقول رسلان: "السمنة تزيد نشاط إنزيم يحوّل جزءاً من الهرمونات الذكرية إلى إستروجين، بينما تتغير الهرمونات طبيعياً في المراهقة ومع التقدم في السن. وقد ينجم التثدّي عن أدوية، منها سبيرونولاكتون المستخدم لبعض أمراض القلب والضغط، وفيناسترايد المستخدم لمشكلات البروستاتا أو تساقط الشعر، وبعض الأدوية النفسية. وتساهم الستيرويدات البنائية التي يستخدمها بعض مرتادي النوادي لتضخيم العضلات في اختلال التوازن الهرموني". وهناك أسباب أقل شيوعاً، مثل اضطرابات الخصيتين والغدة الدرقية وأمراض الكبد والكلى. ولا يعني وجود عامل من هذه العوامل أن التشخيص مؤكد: فالطبيب يسأل عن توقيت بدء التضخم، والأدوية والمكملات، والتغير في الوزن، ثم يفحص الثديين والخصيتين. ويتيح ذلك التمييز بين حالة عابرة وأخرى تحتاج إلى تحرٍّ أعمق.
متى يصبح خطيراً؟
التثدّي غالباً حميد، ولا يسبب بذاته العقم أو السرطان، لكن خطورته المحتملة تكمن في المرض المسبب له، لا في حجم الثدي. بحسب رسلان، قد يترافق نقص التستوستيرون مع اضطرابات الرغبة الجنسية والخصوبة، فيما تستدعي بعض الأعراض استبعاد سرطان الثدي عند الرجال، وهذا سرطان نادر.
تضيف: "لا ينبغي تجاهل كتلة صلبة، خصوصاً بعيداً عن مركز الحلمة، أو إفراز دموي، أو تغيّر جلد الثدي، أو نمو سريع وغير معتاد، أو كتلة في الخصية. هذه العلامات تستدعي مراجعة طبية، وقد تشمل الفحوص تحاليل هرمونية وتقييماً لوظائف أعضاء الجسم، مع التصوير عند الحاجة".
ثمّة ثمن نفسي أيضاً: الخجل من السباحة والرياضة، والتعرض للتنمّر، وتراجع الثقة بالنفس، وخصوصاً لدى المراهقين. لذلك لا تكفي طمأنة المصاب بأن الحالة "مجرد شكل" إن كانت تؤثر في حياته اليومية. وأظهرت دراسة على مراهقين مصابين بالتثدّي أن أثره قد يمتد إلى تقدير الذات والعلاقات الاجتماعية، من دون ارتباط مباشر دائماً بدرجة التضخم. وهذا سبب إضافي للتعامل معه بوصفه قضية صحية ونفسية، لا مجرد تفصيل جمالي.
العلاج... ومخاطره
لا يستدعي كل تثدٍّ علاجاً. تقول رسلان: "في المراهقة، تتراجع حالات كثيرة تلقائياً مع استقرار الهرمونات. ويساعد تخفيض الوزن على تقليل دهون الصدر، لكنه قد لا يزيل النسيج الغدي المتضخم. وإذا كان أحد الأدوية سبباً محتملاً، يراجع الطبيب البدائل، ولا يجوز إيقاف العلاج ذاتياً".
في حالات مختارة وحديثة، قد يصف الاختصاصي "تاموكسيفين" لتقليل تأثير الإستروجين في الثدي، لكنه ليس علاجاً عاماً، وقد يسبب أعراضاً مزعجة ومضاعفات خطيرة مثل الجلطات. كذلك، لا ينبغي تناول التستوستيرون أو مثبطات الهرمونات من دون تشخيص، فقد تتفاقم المشكلة أو تظهر آثار جانبية. والخلطات التجارية المجهولة ليست علاجاً.
أما التثدّي المزمن أو الشديد، فقد تستدعي معالجته استئصال النسيج الغدي، وأحياناً شفط الدهون. هذه الجراحة قد تترك ندوباً، أو تسبب نزفاً وعدوى، أو تغيّراً في إحساس الحلمة، أو عدم تماثل الصدرين. كما أن معالجة السبب الأصلي ضرورية لتقليل احتمال عودة التضخم.
نبض