حين يصبح الروبوت رفيقاً... ماذا يبقى للإنسان في عيون الطفل؟
فرانسيسكا موسى
ماذا لو لم يكن السؤال الأهم ما الذي يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يعلّمه لأطفالنا، بل ماذا يمكن أن يغيّر في نظرتهم إلى الإنسان؟ حين يدخل الروبوت إلى عالم الطفل كرفيق يتحدث معه، يستمع إليه، يجيب عن أسئلته ولا يملّ من وجوده، قد تبدو العلاقة مريحة ومسلّية.
لكن خلف هذه السهولة التكنولوجية يبرز سؤال أكثر عمقًا: كيف يمكن لهذه العلاقة أن تعيد تشكيل مفهوم الطفل عن الصداقة، والتعاطف، والمشاعر، وحتى عن حاجته إلى الآخر؟ فالطفل لا يكتشف معنى الإنسان من خلال ما يُقال له فقط، بل من خلال علاقاته اليومية، من خلال الانتظار، الاختلاف، الخلاف، المصالحة، والاحتواء.
وإذا أصبح الروبوت جزءاً من هذه التجربة، يفهمه من دون أن يختلف معه، ويستجيب له من دون أن يطلب منه شيئاً، فهل سيبقى الإنسان، بكل تعقيده ونواقصه، النموذج الذي يتعلّم الطفل من خلاله معنى العلاقة؟

حين يصبح الكمال معياراً… ويتغيّر شكل الإنسان في عيني الطفل
حين يعتاد الطفل على روبوت يتحدث معه بهدوء دائم، يجيبه عن أسئلته فوراً، ويمنحه اهتماماً مستمراً من دون غضب أو تعب أو تقلب في المزاج، قد يبدأ تدريجياً في بناء صورة غير واقعية عمّا يجب أن تكون عليه العلاقات الإنسانية.
وتشدّد الاختصاصية النفسية ريما كسر على أن الطفل قد ينقل المعايير التي يراها في الروبوت إلى علاقته بأهله، فيتوقع منهم أن يكونوا دائماً هادئين، متفهمين، حاضرين وقادرين على إعطائه الإجابة المناسبة في كل لحظة. لكن الإنسان لا يعمل بهذه المثالية؛ فهو يخطئ، يغضب، يتردد، يختلف مع الآخرين ويتعلم من أخطائه. وهنا تكمن المشكلة: عندما يصبح "الكمال" الذي يراه الطفل في الآلة معياراً يقيس به البشر، قد تبدو له عيوب الأهل الطبيعية وكأنها أخطاء لا ينبغي أن تكون موجودة.
وتوضح كسر أن هذا الأمر قد يخلق لدى الطفل توقعات غير واقعية تجاه الأهل والآخرين، لأن الروبوت لا يقدّم له التجربة الإنسانية بكل ما فيها من اختلاف ومشاعر وأخطاء.

وبذلك، يمكن أن تتغير نظرته إلى الأهل من كونهم مصدراً للأمان والحماية والتعلّم، إلى أشخاص يُقارنون باستمرار بنموذج آلي لا يعيش التجربة الإنسانية نفسها. ومع الوقت، قد تمتد هذه التوقعات إلى علاقاته مع أصدقائه ومحيطه، فيصبح تقبّل الاختلاف، الانتظار، سوء الفهم وحتى الخلاف أصعب، رغم أنها جميعاً أجزاء أساسية من تعلّم الطفل كيف يفهم الآخر وكيف يبني علاقة حقيقية معه.
عندما يصبح الروبوت أكثر من آلة… من أين يتعلّم الطفل أن يكون إنساناً؟
ولا تتوقف المسألة عند صورة الطفل عن الآخرين، بل قد تصل إلى الطريقة التي يفهم بها هو نفسه العلاقة بين الإنسان والآلة.
وتوضح كسر أن الالتباس يصبح أكثر احتمالاً لدى الأطفال لأنهم بطبيعتهم يميلون إلى إضفاء صفات إنسانية على الأشياء؛ فقد يتحدث الطفل مع دميته، يعطيها اسماً ويتعامل معها وكأنها شخص حقيقي. فكيف إذا كان أمام روبوت يتحدث معه، يستمع إليه، يجيبه ويبدو وكأنه يفهمه؟ هنا يمكن أن يبدأ الالتباس، خصوصاً إذا تحوّل الروبوت من أداة تكنولوجية إلى مساحة للبوح، أو إلى بديل عن الصديق أو الشخص الذي يلجأ إليه الطفل عندما يواجه مشكلة.
وتشدّد كسر هنا على أن المسألة لا تتعلق فقط بكون الطفل يعرف أن الروبوت ليس إنساناً، بل بالدور الذي يبدأ بإعطائه إياه في حياته اليومية. وترى أن الاعتماد المتزايد على الروبوت عاطفياً وفكرياً قد يطرح أسئلة حول ما يخسره الطفل من مهارات لا تُكتسب إلا من خلال التفاعل مع البشر، مثل التواصل الاجتماعي، قراءة مشاعر الآخرين، إدارة الخلاف، تقبّل الرفض، والتطور في الذكاء العاطفي.
وفي المقابل، فإن حصول الطفل على إجابة جاهزة لكل سؤال وحل سريع لكل مشكلة قد يقلّل من المساحة التي يحتاجها ليجرّب، يخطئ، يتخيل ويبحث بنفسه.
وتوضح كسر أن جزءاً أساسياً من نمو الطفل هو قدرته على التفكير وحل المشكلات، أي أن يحاول ويبحث ويخطئ ثم يتعلم من خطئه، لا أن يحصل دائماً على الحل الجاهز. فالخيال لا ينمو فقط عندما يحصل الطفل على المعلومات، بل عندما يواجه شيئاً لا يعرفه ويحاول أن يكتشفه. وكذلك التفكير وحل المشكلات يحتاجان إلى مساحة من الحيرة والمحاولة والخطأ.

لذلك، قد لا يكون السؤال فقط: ماذا يعلّم الروبوت الطفل؟ بل أيضاً: ماذا يحدث للمهارات التي كان الطفل يتعلمها لأنه لم تكن لديه إجابة جاهزة؟ فحين تتحول التكنولوجيا من أداة تساعده على التفكير إلى جهة تفكر وتجيب وتواسيه، يصبح التحدي الحقيقي هو الحفاظ على المساحة التي تسمح للطفل بأن يتعلم، لا أن يكتفي بتلقي الإجابات.
ربما لا يكمن السؤال الحقيقي في أن يصبح الروبوت قريباً من الطفل، بل في أن يبقى الإنسان قريباً من عينيه. فالآلة قد تمنحه إجابة بلا تردد، واهتماماً بلا تعب، وحضوراً بلا خلاف، لكن الإنسان يعلّمه ما لا يمكن اختزاله في إجابة: أن نحب رغم الاختلاف، أن نخطئ ثم نعتذر، أن نختلف ثم نتصالح، وأن نجد الأمان أحياناً في شخص لا يملك الحل، بل يملك قلباً يفهمنا.
وفي عالم تصبح فيه الآلة أكثر شبهاً بالإنسان، قد يكون التحدي الحقيقي ألا نعلّم الطفل كيف يصبح مثلها، بل أن نحافظ في عينيه على قيمة ما يجعل الإنسان مختلفاً: ضعفه، مشاعره، أخطاؤه، وقدرته على أن يكون حاضراً بصدق، لا لأنه كامل، بل لأنه إنسان.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
كانت عائلتها توثّق تفاصيل حياتها اليومية، من اللعب وحضور مواعيدها الطبية، إلى قضاء الوقت مع أفراد عائلتها.
نبض