اليوم العالمي لمكافحة الانتحار: الوقاية تبدأ من الإصغاء وكسر حاجز الصمت

صحة وعلوم 10-09-2026 | 11:44

اليوم العالمي لمكافحة الانتحار: الوقاية تبدأ من الإصغاء وكسر حاجز الصمت

في مناسبة اليوم العالمي لِمكافحة الإنتحار، نُسلّط الضوء على المعاناة النفسية الخفية لدى الفرد ونُعزّز ثقافة الإصغاء والدعم.
اليوم العالمي لمكافحة الانتحار: الوقاية تبدأ من الإصغاء وكسر حاجز الصمت
كسر الصمت يبدأ من الدعم (Pexels)
Smaller Bigger

أربعون ثانية كي تمرّ سحابة صامتة ومفاجئة فوق مجتمعٍ بأسره، فتحجب  الضوء لِلحظات ونسمع صرخات وداع خافتة، حتى تكاد تُؤنِّبنا لأنَّنا لم نرَها وهي تتشكّل.

ففي مكانٍ آخر، وربّما في الغرفة نفسها، يعيش شخص معركة مستترة مع نفسه، خلف وجه يبدو عادياً وابتسامة لا تكشف شيئاً عمّا يدور في داخله.

 

الدعم العائلي يُساعد في مواجهة الأزمات النفسية  (Pexels)
الدعم العائلي يُساعد في مواجهة الأزمات النفسية (Pexels)

 

 

نستذكر اليوم العالمي لمنع الانتحار لا بوصفه موعداً عابراً بل بوصفه دعوةً كي نلتفت إلى نفوسٍ تخوض معاركها بصمت وتدّعي أنَّها بخير.

 

بين الوجه المعتاد والألم الخفي

 

ترى الاختصاصية النفسية تاتيانا بو غاريوس أنَّ “الانتحار لا يزال موضوعاً كبيراً وحسّاساً، رغم ازدياد الحديث عن الصحة النفسية وتنظيم جلسات التوعية بها”.

وتوضح بأنَّ "الخوف من الكلام قد يكون أحد أبرز العوائق أمام الشخص الذي يعيش ألماً نفسياً أو تُراوده أفكار مؤذية؛ فقد يخشى الرفض، أو أن يُنظر إليه على أنَّه ضعيف أو أن يُلام على مشاعره بدل وجود من يستمع إليه ويفهمه”. لذلك، تبرز أهمية توفير مساحة آمنة يستطيع خل

الها التعبير عن ألمه وأفكاره من دون أحكام.

أمّا العلامات التي تستدعي انتباه المحيط: العزلة، التقلّبات المزاجية الحادّة، الأفكار السلبية والوجودية المرتبطة بالحياة، إضافةً إلى الاندفاعية والتغيّرات السلوكية.

لا تظهر المعاناة النفسية دائماً بهذه الصورة، فقد يكون المرء مكتئباً ومع ذلك يبدو طبيعياً في حياته اليومية، يذهب إلى عمله أو مدرسته، يضحك ويتحدّث مع الآخرين من دون أن يكشف مظهره الخارجي حجم ما يعيشه.

تُشير غاريوس إلى "العوامل التي قد تُسهم في الوصول إلى مرحلة حرجة: الاضطرابات النفسية، وفي مقدّمها الاكتئاب، الصدمات، ولا سيّما تلك المتعلّقة بالطفولة، فضلاً عن الضغوط الحياتية، التساؤلات أو الدوافع الوجودية، تسخيف المشاعر ودور العائلة، كلّها عوامل قد تتداخل في حياته وتزيد من وطأة المعاناة.”.

 

 أفكار سلبية ووجوديةمرتبطة بالإكتئاب (Pexels)
 أفكار سلبية ووجوديةمرتبطة بالإكتئاب (Pexels)

 

لا يزال بعض الأهل والمحيطين ينظرون إلى طلب المساعدة النفسية على أنَّه عيب أو علامة على ضعف الشخصية، فيما يبدأ الدعم الحقيقي من المحيط، بالإصغاء، التفهّم وتوفير مساحة آمنة لِلتعبير عمّا يختبره الشخص. 

لا تتوقّف المسؤولية عند حدود الأسرة أو الفرد، بل تبدأ أيضاً من المدرسة وتمتد إلى المجتمع؛ فالصحة النفسية تحتاج إلى حضور أكبر في المدارس سواء من خلال التوعية أم عبر إدماجها بصورة أوسع في المناهج.
في المنزل، تُشدّد الاختصاصية النفسية على "ضرورة توفير بيئة حاضنة لِلطفل أو المراهق تُتيح له البوح بما يعيشه. أمّا المحيط فلا يزال أمامه الكثير لجعل الصحة النفسية موضوعاً طبيعياً يُمكن الحديث عنه بعيداً عن الوصمة والتكتّم".   

تُثني كذلك على “دور خطوط الدعم التي تُوفّرها بعض الجمعيات للأشخاص الذين يمرّون بأزمات نفسية أو تُراودهم أفكار سلبية، فتفتح آفاق التواصل مع مختصّين لِلحصول على المساعدة المناسبة”.

 

مساحات الأمل وخدمات الدعم

 

 لا تبقى الوقاية في إطار الحديث النظري؛ ففي لبنان، تحوّلت الحاجة إلى الإصغاء والتدخّل في لحظات الأزمة إلى خدمة فعليّة على الأرض من خلال جمعية "Embrace" وخطّ الحياة الوطني 1564، الذي يعمل على مدار الساعة بالشراكة مع البرنامج الوطني للصحة النفسية في وزارة الصحة العامة، موفّراً الدعم العاطفي، تقييم مستوى الخطر، إحالة المتّصلين إلى خدمات مختصّة أو إرسال فرق التدخّل عند الحاجة.

تعكس أرقام عام 2024 حجم الحاجة الملحّة إلى خدمات الدعم النفسي، إذ تلقّى خطّ الحياة الوطني 9,514 اتّصالاً وأسهمت تدخّلاته في إنقاذ 190حياة كانت معرّضة لخطر داهم. 

شهد العام 54 تدخّلاً في حالات الطوارئ النفسية، إلى جانب تقديم 3,431 جلسة مجانية لِلعلاج الطبّي والدعم النفسي الاجتماعي، استفاد منها 450 شخصاً إجمالاً. 

 

الصحة النفسية تستحق الإهتمام (Pexels)
الصحة النفسية تستحق الإهتمام (Pexels)

 

لا تنفصل هذه الأرقام عن المشهد العالمي، إذ تُعلن منظّمة الصحة العالمية  أنَّ أكثر من 720 ألف شخص يموتون بالانتحار سنوياً، ليظلّ من أهم مسبّبات الوفاة بين فئة الشباب (15-29 عاماً). 

وتُسلّط دراسات بحثية حديثة، مثل تلك التي نُشرت في بريطانيا، مطلع عام 2026، الضوء على تراكم عوامل الخطر منذ سنوات مبكرة، مبيّنة أنَّ الظروف المعيشية القاسية والتجارب المبكرة تُضاعف احتمالات المعاناة.

وغالباً ما يكون الخطر حصيلة تراكم ظروف طويلة، في حين  تُمثّل خطوط الدعم والخدمات المتخصّصة شريان حياة حقيقياً يمنح الإنسان مساحة ليمدّ يده قبل فوات الأوان.

الوقاية من الانتحار ليست مسؤولية تُلقى على عاتق الأطباء والمعالجين وحدهم، بل تبدأ من حولنا بكلمة صادقة، نظرة، وأذن صاغية، فتخرق جدار الوحدة.  

ولعلّ ما يبقى منه يتجاوز التاريخ إلى ما هو أبعد: أن نحتفل بانتصار الحياة على اليأس.

الأكثر قراءة

النهار بيديا 9/21/2026 11:05:00 AM
نعى الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم شقيقه الشيخ أحمد بن راشد آل مكتوم، الذي تُوفي صباح اليوم الاثنين، مستذكراً إياه بالدعاء، فيما كان الراحل شخصية بارزة في المجالات الأمنية والرياضية والاقتصادية في دبي، وشغل منصب نائب رئيس شرطة دبي والأمن العام وترأس نادي الوصل.
شمال إفريقيا 9/24/2026 7:22:00 AM
يحتفظ الملك بصلاحيات واسعة في تحديد التوجّهات السياسية وملفات الدفاع والشؤون الخارجية.
لبنان 9/23/2026 8:25:00 AM
المتّهم اعترف بارتكابه هذا الفعل، فيما تستمر التحقيقات بإشراف القضاء المختص لكشف كامل الملابسات والدوافع.
سياسة 9/23/2026 5:45:00 AM

يُضرب موعد مع الإضرابات والتحركات المطلبية الأسبوع المقبل، مع رصد الاجتماعات العمالية هذا الأسبوع لتحديد خريطة الاعتراض الشعبي على موجة الغلاء. فمن يتحرك؟ وما مدى الاستجابة للمطالب؟