اليمن في قبضة الحوثيين: اقتصادان وبلدٌ يزداد فقراً

اقتصاد وأعمال 14-10-2026 | 13:38

اليمن في قبضة الحوثيين: اقتصادان وبلدٌ يزداد فقراً

تدهور الاقتصاد اليمني منذ 2014 بسبب الانقسام السياسي والمالي، مع أزمة في السياسة النقدية وانخفاض الإيرادات وتفاقم الفقر والتضخم.

اليمن في قبضة الحوثيين: اقتصادان وبلدٌ يزداد فقراً
أشخاص يسيرون في سوق في تعز، 4 تشرين الأول/أكتوبر 2026. (أ ف ب)
Smaller Bigger

منذ أن دخل الحوثيون صنعاء في أيلول/سبتمبر 2014، لم يعد الاقتصاد اليمني يواجه حرباً واحدة، بل سلسلة انهيارات متداخلة: توقف إنتاج النفط، انقسام المؤسسات، تراجع العملة، وانكماش قدرة الدولة على دفع الرواتب أو توفير الخدمات. 

وبعد أكثر من عقد، صار البلد اقتصادين متوازيين، لكل منهما سلطة نقدية وأسعار صرف وقواعد مصرفية مختلفة، فيما يدفع اليمنيون الثمن في الأسواق والبيوت.

 

(تصميم بالذكاء الاصطناعي)
(تصميم بالذكاء الاصطناعي)

 

كانت مؤشرات التدهور واضحة منذ البداية: في عام 2014، بلغت الاحتياطيات الأجنبية للمصرف المركزي نحو 5.4 مليارات دولار، ثم هبطت إلى أقل من 600 مليون في أيار/مايو 2016، وفق بيانات المصرف التي نقلتها وكالة الأنباء السعودية (واس). 

واتهمت السلطات اليمنية المعترف بها دولياً الحوثيين باستنزاف الاحتياطي لتمويل الإنفاق على الحرب، لكن الانخفاض ارتبط أيضاً بانهيار صادرات النفط والغاز، وتوقف التمويل الخارجي، واتساع العجز. وفي 2015 وحده، اتسع العجز المالي إلى 11.4% من الناتج المحلي، بعدما كان نحو 5% في 2014، وتجاوز الدين العام 94% من الناتج.

 

تفكك السياسة النقدية

في أيلول/سبتمبر 2016، نقلت الحكومة المعترف بها دولياً المصرف المركزي من صنعاء إلى عدن. لم يكن ذلك انتقالاً إدارياً فحسب، بل بداية تفكك السياسة النقدية. ظل الحوثيون يديرون المؤسسة في صنعاء، فيما أنشأت الحكومة سلطة موازية في عدن. ومنذ ذلك الحين، تصرف الطرفان كأنهما مصرفان مركزيان لدولتين: يديران السيولة والموارد ويصدران التعليمات، من دون تنسيق فعلي أو قدرة على الإشراف على النظام كله.

 

(النهار)
(النهار)

 

كانت الودائع المصرفية من أبرز ضحايا هذا الانقسام. يشرح تشخيص البنك الدولي للقطاع المالي اليمني أن سلطتي عدن وصنعاء جمّدتا أرصدة نقدية للمصارف التجارية. في صنعاء، لم يُسمح بالسحب إلا من الودائع النقدية المتراكمة منذ 2017؛ وفي عدن، سُمح بالسحب من الودائع اللاحقة لانقسام 2016، مع قيود على الأقدم. 

بذلك، تجمدت عملياً معظم الودائع النقدية السابقة للانقسام. وقدّر تقرير أممي ديون المصارف للمودعين بنحو 3.75 تريليونات ريال، بينها 2.271 تريليون ريال ودائع مجمدة تعود إلى ما قبل 2016. هذه ليست أرقاماً محاسبية مجردة: إنها مدخرات أسر ومؤسسات لا تستطيع الوصول إلى أموالها. 

ثم جاء الانقسام النقدي. في 2017 حظرت سلطة صنعاء أوراق العملة الجديدة التي طبعها مصرف عدن، وصادرت بعضها، ما عزل مناطق سيطرتها عن أثر التوسع النقدي في الجنوب، لكنه خلق شحاً في السيولة وأبقى الأوراق القديمة تتآكل من دون استبدال. وفي آذار/مارس 2024، طرحت صنعاء عملة معدنية من فئة 100 ريال، وهي خطوة اعتبرها البنك الدولي تصعيداً للتنافس على السيادة النقدية. تراوح سعر الدولار في 2024 حول 530 ريالاً في مناطق الحوثيين، مقابل نحو 1,800 ريال في مناطق الحكومة؛ وهذه فروق تعني أن السعر والراتب والقدرة الشرائية تتغير عند عبور خطوط السيطرة. 

 

تراجع في الإيرادات

وتفاقمت الأزمة حين أوقفت هجمات الحوثيين على موانئ تصدير النفط، منذ أواخر 2022، أهم مصدر للعملة الصعبة وإيرادات الحكومة الشرعية. وتراجع إنتاج النفط من 46 ألف برميل يومياً في 2022 إلى 19 ألفاً في 2024، وفق صندوق النقد. ومن ثم هبطت الإيرادات العامة من 22.5% من الناتج في عام 2014 إلى أقل من 12% في عام 2024. 

وفي 2025، لم تتجاوز الإيرادات 5.6% من الناتج، بحسب البنك الدولي، مع استمرار الحصار على الصادرات وتراجع المنح.

 

(النهار)
(النهار)

 

أما الناس، فيواجهون اقتصاداً يتقلص ودخلاً تتآكله الأسعار. انخفض نصيب الفرد من الناتج الحقيقي 58% منذ 2015، وتجاوز التضخم 30% في مناطق الحكومة خلال 2024. وقدّر البنك الدولي أن نحو ثلاثة أرباع السكان يعيشون تحت خط الفقر، بينما احتاج أكثر من 21 مليون يمني إلى المساعدة الإنسانية في 2026. ولم تموّل خطة الأمم المتحدة لعام 2025 سوى 28% من احتياجاتها. 

وفي أيار/مايو 2026، توقع البنك الدولي انكماش الناتج الحقيقي 0.5% إضافية، بعد انكماشه 1.5% في 2025. 

 

خلاصة القول

لم يصنع الحوثيون وحدهم كل أسباب الكارثة؛ فالحرب، والحصار، وتوقف الصادرات، وانقسام الحكومة، وتراجع المساعدات عوامل متشابكة. لكن استيلاءهم على صنعاء، وفرضهم سلطة نقدية موازية، وحظرهم العملة الجديدة، وتضييقهم على المصارف والتحويلات، عوامل عمّقت الانقسام وأضعفت ما تبقى من الثقة. 

وفي بلد يعتمد على الاستيراد والتحويلات، لا يظل المصرف المنقسم شأناً تقنياً: إنه شريان الغذاء والدواء والرواتب، وحين يختنق، يصبح كل بيت معرضاً لتداعيات الحرب حتى في غياب الرصاص. والنتيجة اقتصاد لا يخلق فرصاً كافية، ولا يمول خدماته، ولا يحمي مدخرات مواطنيه؛ وتبقى هدنة سياسية ناقصة ما لم تستعد الدولة وحدتها المالية وتعيد الثقة إلى المصارف والأسواق.

 

الأكثر قراءة

الخليج العربي 10/13/2026 6:00:00 AM
بعد الهجمات على مطار الرياض، تواجه السعودية معادلة صعبة: كيف توقف صواريخ الحوثيين من دون الانجرار إلى حرب جديدة؟ وأيّ الخيارات الأربعة يتيح لها قلب المعادلة؟
دوليات 10/13/2026 3:08:00 PM
أعاد تقرير بريطاني تداول تنبؤات منسوبة إلى بابا فانغا عن حرب عالمية وتغيّر القيادة الروسية في 2026
لبنان 10/13/2026 12:02:00 PM
أقرّ الضمان الاجتماعي زيادة تعرفة معاينات الأطباء في العيادات الخاصة للمرة الخامسة منذ حزيران/يونيو 2023، ودعا الأطباء إلى الالتزام بالأسعار الجديدة لتخفيف الأعباء عن المضمونين.
لبنان 10/14/2026 8:23:00 AM
استنكرت الخارجية الأميركية إحالة شكوى ضد ندى حمادة معوض إلى القضاء العسكري، معتبرة أنها تُستهدف لتنفيذها سياسة حكومتها والمشاركة في مفاوضات تقودها واشنطن.