90% من الشركات السعودية لا تربط مكافآت مجالسها بالأداء... وأعضاء البنوك الأعلى
عضو مجلس إدارة في بنك سعودي يتقاضى في المتوسط 1.3 مليون ريال سعودي (نحو 227 مليون دولار أميركي) سنوياً — أعلى من أي قطاع آخر في السوق. لكن تسعة من كل عشر شركات مدرجة، بما فيها البنوك، لا تملك معياراً واضحاً يربط هذه المكافأة بالأداء الفعلي. هذه الفجوة بالذات رصدها الباحثون بالأرقام قبل أن تتحرك هيئة السوق المالية بثلاثة أشهر.
في 20 حزيران/يونيو 2026، نشر مركز الحوكمة -الذراع البحثية التابعة لصندوق الاستثمارات العامة- ورقة بحثية حلّلت بيانات 345 شركة سعودية مدرجة وأكثر من 2,400 عضو مجلس إدارة، وخلصت إلى أن جدول الإفصاح الإلزامي الحالي يبيّن مبلغ المكافأة، لكنه لا يُلزم أي شركة بتفسير لماذا حُدد بهذا الشكل تحديداً. لم تكن هذه ملاحظة هامشية في الورقة، بل أوصى الباحثون صراحة بأن تصدر الهيئة إرشادات للإفصاح السردي تسد هذه الفجوة.
بعد نحو ثلاثة أشهر، وتحديداً في 17 أيلول/سبتمبر 2026، أصدرت هيئة السوق المالية تعميماً يطالب فعلياً بجزء كبير مما دعت إليه الورقة: تأكيد أن سياسات المكافآت تتضمن معايير واضحة ترتبط بالأداء، لا الاكتفاء بصرف مبالغ لا يُعرف أساس تحديدها. هذا التزامن الزمني -وإن لم يُفصح عن رابط مباشر بين الجهتين- يمنح التعميم سياقاً أعمق من كونه تذكيراً روتينياً بنص قانوني قائم.
الفرضية التي تنطلق منها ورقة مركز الحوكمة بسيطة لكنها جوهرية: مكافآت أعضاء مجلس الإدارة ومكافآت الإدارة التنفيذية أداتان مختلفتان تماماً. فالتنفيذي يُكافأ على تحقيق نتائج، بينما العضو غير التنفيذي يُكافأ على استقلالية رأيه وقدرته على مساءلة الإدارة - وهذا بالتحديد ما يجعل أي مكافأة مرتبطة بالأرباح أو بمؤشرات الأداء القصيرة، حتى لو بدت مبررة ظاهرياً، مقوّضة لجوهر دور المجلس.

ما الذي يكشفه الرقم؟
بلغ متوسط إجمالي مكافآت العضو غير التنفيذي 366,978 ريال سعودي (98 ألف دولار) في 2024، ومتوسط مكافأة رئيس المجلس 490,350 ريال سعودي (131 ألف دولار) - أي نحو 1.34 ضعف فقط، وهي نسبة متواضعة جداً مقارنة بأسواق مثل بريطانيا (5.6 أضعاف) أو سويسرا (تسعة أضعاف). يصرف نحو 85% من الشركات مكافأة سنوية ثابتة، و81% بدل حضور جلسات، بينما لا تتجاوز نسبة الشركات التي تمنح أي شكل من المكافآت المتغيرة 10% فقط - ووجد الباحثون حالة واحدة فقط ضمن كامل قاعدة البيانات ارتبطت فيها مكافأة عضو غير مستقل مباشرة بنسبة من الأرباح.
الفجوة الأوضح تظهر حسب الحجم والقطاع والملكية: ترتفع المكافأة من 150 ألف ريال سعودي (40 ألف دولار) في الشركات متناهية الصغر إلى 1.06 مليون ريال سعودي (283 ألف دولار) في الشركات العملاقة. وتنفرد البنوك بأعلى متوسط قطاعي عند 1.3 مليون ريال سعودي (348 ألف دولار) - أي 3.5 أضعاف متوسط السوق العام، تليها المرافق والطاقة والاتصالات. أما الشركات المرتبطة بجهات حكومية فتدفع أكثر من ضعف متوسط السوق، حتى بعد عزل أثر الحجم والقطاع إحصائياً - وهي النتيجة الوحيدة بين فئات الملكية التي بقيت ذات دلالة بعد التحليل القياسي الذي أجراه المركز.
التفاوت لا يتوقف عند مكافأة العضوية الأساسية، بل يمتد إلى مكافآت اللجان المتخصصة التي تصرف إضافة إليها. فرئيس لجنة المخاطر يتقاضى في المتوسط 119,653 ريال سعودي (32 ألف دولار)، يليه رئيس لجنة المراجعة بمتوسط 110,579 ريال سعودي (29 ألف دولار)، بينما يتقاضى رئيس لجنة الترشيحات والمكافآت 83,115 ريال سعودي (22 ألف دولار) فقط - أدنى الثلاث رغم أن هذه اللجنة هي المسؤولة نظاماً عن صياغة سياسة المكافآت ذاتها. يفسّر الباحثون هذا التفاوت بارتفاع المتطلبات الفنية والتنظيمية للجنتي المخاطر والمراجعة، لكنهم يشيرون أيضاً إلى أن تدني مكافأة لجنة الترشيحات والمكافآت قد يعكس عدم إدراك السوق بعد لأهمية دورها المتنامي في التعاقب الوظيفي وتصميم الحوكمة.

الإشكالية التي حذّرت منها الورقة تحديداً
خصصت الورقة قسماً كاملاً لما وصفته بـ"الممارسات المرفوضة بالإجماع" دولياً: المكافآت النقدية المرتبطة بالنتائج قصيرة الأجل، ومنح الأسهم المشروط بالأداء لأعضاء غير تنفيذيين، وأي مكافأة تمنح العضو مصلحة مالية شخصية في نتيجة يُفترض أن يشرف عليها باستقلالية. ونبّهت تحديداً إلى أن الحظر النظامي الحالي في السعودية يقتصر على منع ربط مكافآت الأعضاء المستقلين بالأرباح، دون أن يمتد بالضرورة إلى صور أخرى غير مباشرة من الربط بالأداء قد تطرح الإشكالية الجوهرية نفسها.
الصورة الأكبر:
يخلص مركز الحوكمة إلى أن التحدي القادم أمام مجالس الإدارة السعودية ليس تصحيح سوق انحرفت عن مسارها -فالممارسات الحالية تتسق عموماً مع المبادئ الدولية- وإنما الارتقاء بجودة تبرير القرارات وتوضيحها للمستثمرين، في ظل مرونة تنظيمية باتت أوسع بعد إلغاء الحد الأقصى النظامي للمكافآت عام 2022. ومع تنامي طلب المؤسسات الأجنبية على الأسهم السعودية، يتحول هيكل المكافآت -بحسب الورقة- إلى مؤشر يقرأه المستثمرون كدلالة على جدية مجلس الإدارة في ممارسة دوره الرقابي، لا كتفصيل إداري ثانوي.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
يُضرب موعد مع الإضرابات والتحركات المطلبية الأسبوع المقبل، مع رصد الاجتماعات العمالية هذا الأسبوع لتحديد خريطة الاعتراض الشعبي على موجة الغلاء. فمن يتحرك؟ وما مدى الاستجابة للمطالب؟
نبض