انخفاض معدلات الخصوبة... هل تنجح حوافز الإنجاب في زيادة المواليد؟

اقتصاد وأعمال 18-09-2026 | 06:22

انخفاض معدلات الخصوبة... هل تنجح حوافز الإنجاب في زيادة المواليد؟

تدفع معدلات الخصوبة المنخفضة الحكومات إلى توسيع مكافآت الإنجاب والإعفاءات الضريبية ودعم رعاية الأطفال. لكن التجارب الدولية تظهر أن الحوافز المالية قد تغيّر توقيت الإنجاب، من دون أن تضمن زيادة مستدامة في عدد المواليد.

انخفاض معدلات الخصوبة... هل تنجح حوافز الإنجاب في زيادة المواليد؟
صورة تعبيرية (ويب إم دي)
Smaller Bigger

تمثل أزمة انخفاض معدلات الإنجاب تحدياً ديموغرافياً واقتصادياً متزايداً، لارتباطها بأسواق العمل والإنفاق الاجتماعي ومستقبل التركيبة السكانية، ما يدفع الحكومات إلى تبني حوافز وسياسات تشجع الأسر على الإنجاب.

 

وتتنوع أدوات المواجهة بين الدعم النقدي والإعفاءات الضريبية، وإجازات الوالدين، لكن تفاوت نتائجها يطرح تساؤلاً حول مدى قدرتها على زيادة أعداد المواليد فعلياً.

 

لماذا تتراجع معدلات الإنجاب؟

 

وتنبع صعوبة معالجة هذه الظاهرة من تعدد العوامل المؤثرة في قرار تكوين الأسرة، إذ ترتبط بارتفاع تكاليف السكن والمعيشة، وصعوبة التوفيق بين العمل والأسرة، وتأخر الاستقرار الوظيفي وتغير المعايير الاجتماعية، ما يدفع الأسر إلى تأجيل الإنجاب أو الاكتفاء بعدد أقل من الأطفال.

ووفق مسح أجراه صندوق الأمم المتحدة للسكان (UNFPA) في 14 بلداً في عام 2025، رأى نحو 20% من المشاركين في سن الإنجاب أنهم لن يتمكنوا من إنجاب العدد الذي يرغبون فيه من الأطفال، فيما قال 39% إن القيود المالية أثرت أو قد تؤثر في قدرتهم على تحقيق حجم الأسرة المنشود. وتكشف النتائج فجوة بين الرغبة في تكوين أسرة والقدرة الفعلية على تحمّل تكاليفها.

 

 

وتؤكد منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) اتساع التحدي، إذ انخفض متوسط الخصوبة في دولها من 3.3 أطفال للمرأة في عام 1960 إلى 1.5 في عام 2022. وبحسب أحدث القيم الوطنية المتاحة لدى المنظمة، يدور المتوسط حالياً حول 1.46 طفل للمرأة، أي أقل كثيراً من معدل الإحلال البالغ نحو 2.1 طفل في غياب الهجرة. كذلك ارتفع متوسط سن المرأة عند ولادة طفلها الأول من 26.4 عاماً في عام 2000 إلى 29.5 عاماً في عام 2022، بما يعكس اتجاهاً متزايداً إلى تأخير تكوين الأسرة.

 

الحوافز تحت الاختبار

 

ومع اتساع الفجوة بين معدلات الإنجاب الحالية والمستويات اللازمة للحفاظ على التركيبة السكانية، تختبر الحكومات حزماً تشمل المنح والمزايا النقدية والإعفاءات الضريبية ودعم رعاية الأطفال، وتبرز كوريا الجنوبية وفرنسا وهنغاريا كنماذج مختلفة.

 

وتقدم كوريا الجنوبية مثالاً على صعوبة تغيير السلوك الإنجابي بالإنفاق وحده. فبعدما بلغ معدل الخصوبة مستوى قياسياً منخفضاً قدره 0.72 طفل للمرأة في عام 2023، ارتفع إلى 0.75 في عام 2024 ثم إلى 0.80 في عام 2025، بالتزامن مع زيادة الزيجات وتوسيع دعم الأسر.

 

ومع ذلك، بقي الأدنى بين دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية. وتوفر البلاد إجازات والدية مدفوعة تُعَد من الأطول بين دول المنظمة، لكن الاستفادة منها مرتبطة بالتأمين الوظيفي وشروط الأهلية، كما أن الإقبال الفعلي عليها أقل من الاستحقاق القانوني. وبلغ الإنفاق العام على مزايا الأسرة نحو 1.6% من الناتج المحلي في عام 2022، من دون أن يزيل ضغوط السكن والتعليم وساعات العمل الطويلة وعدم المساواة في مسؤوليات الرعاية.

 

طبيبة نسائية تجري تصويراً بالموجات فوق الصوتية لامرأة حامل (أ ف ب)
طبيبة نسائية تجري تصويراً بالموجات فوق الصوتية لامرأة حامل (أ ف ب)

 

 

فرنسا وهنغاريا... الدعم الواسع لا يضمن ارتفاع الخصوبة

 

وتكشف تجربتا فرنسا وهنغاريا نتائج متفاوتة على الرغم من اتساع حزم الدعم. في فرنسا، تشمل المنظومة إجازات الوالدين ورعاية الطفولة المبكرة والمزايا النقدية والضريبية، ما ساعد البلاد طويلاً على الاحتفاظ بخصوبة أعلى من معظم جيرانها الأوروبيين. لكن المعدل تراجع من 2.03 طفل للمرأة في عام 2010 إلى 1.61 في عام 2024 ثم إلى 1.56 في عام 2025، وفق المعهد الوطني للإحصاء والدراسات الاقتصادية (إنسي)، ما يؤكد أن الدعم يمكنه تخفيف التراجع، لكنه لا يعزل البلاد عن التحولات الاقتصادية والاجتماعية الأوسع.

أما هنغاريا، فوسعت مزايا الأطفال والحسوم الضريبية وإجازات الأمومة والوالدية والقروض السكنية المدعومة والاستثمار في الحضانات. وارتفعت الخصوبة من نحو 1.25 طفل للمرأة في عام 2010 إلى أكثر من 1.5 في سنوات لاحقة، قبل أن تتراجع مجدداً إلى نحو 1.38 في عام 2024. وتشير هذه الحركة إلى أن الحوافز ربما ساهمت في تقديم بعض الولادات أو تشجيعها، لكنها لم تصنع تحولاً دائماً، كما يصعب فصل أثرها عن تغير الأوضاع الاقتصادية والتركيبة العمرية وعدد النساء في سن الإنجاب.

 

متطلبات فاعلة

 

 

تشير التجارب الثلاث إلى أن الحوافز المالية قد تؤثر في قرار الإنجاب، لكنها لا تكفي وحدها لعكس الاتجاه الديموغرافي. ويرى الخبير الاقتصادي والباحث الدولي محمد ربيع، في تصريحات خاصة، أن فاعليتها "لا تتوقف على حجم الدفعة النقدية، بل على قدرتها على خفض التكلفة المستمرة لتربية الطفل. فقد تدفع المكافأة أسرة إلى تقديم موعد ولادة كانت تخطط لها أصلاً، من دون أن تزيد بالضرورة العدد النهائي لأطفالها، إذا ظلت تكاليف السكن والرعاية والتعليم مرتفعة".

 

ويضيف ربيع أن تراجع المواليد يهدد بمرور الوقت بتقليص قوة العمل والقاعدة الضريبية وعدد المستهلكين، بالتزامن مع ارتفاع تكلفة التقاعد والرعاية الصحية. "لذلك، تتطلب السياسة الفاعلة توفير السكن الميسّر، والحضانات بأسعار يمكن تحملها، وإجازات والدية مرنة ومدفوعة، وبيئة عمل لا تجعل إنجاب الطفل مرادفاً لخسارة الدخل أو فرص الترقية".

 

ولا تستطيع الحكومات، بالمعنى الحرفي، "شراء" مواليد جدد، فما تستطيع فعله هو تقليص التكلفة والمخاطر التي تجعل الطفل الإضافي عبئاً يصعب تحمله. وكلما عالجت السياسات مشاكل السكن والعمل والرعاية وعدم المساواة داخل الأسرة، ازدادت فرص تحويل الرغبة في الإنجاب إلى قرار فعلي، بدلاً من الاكتفاء بمكافأة قريبة الأجل لا تغيّر الحسابات اليومية للوالدين.

 

 

في ملف "عالم بأطفال أقل ومسنين أكثر!"، تبحث "النهار" في التحوّلات السكانية والديموغرافية في العالم، وتداعياتها الاقتصادية والاجتماعية، طارحةً سؤالاً مهماً: "هل نتجه نحو شيخوخة سكانية يصعب العودة منها؟".

 

 

1- غاندي المهتار: حين تصبح الجنازات أكثر من الولادات!

2- عبد الرحمن أياس: الطفل الذي ابتلعه الإيجار... لماذا تتراجع الأسر عن إنجاب طفل إضافي؟

3- سارة أبو حمدان: الشيخوخة تتقدم في العالم العربي... فمن يتحمل كلفة الرعاية؟

4- كريمة دغراش: تونس: أسر أصغر ومسنون أكثر وشبكة أمان اجتماعي تعاني!

5- القاهرة، ياسر خليل: مصر: تغيرات بالتركية السكانية تضعف شبكات الحماية الاجتماعية

6- بغداد، محمد البغدادي: كبار السن يشكلون 3.6% من سكان العراق!

7- منال شعيا: هل سيصبح لبنان بلداً يموت فيه أهله أكثر ممن يولدون؟

8- كريم حمادي: انخفاض معدلات المواليد في أوروبا... هل تنقذ الهجرة القارة من الشيخوخة السكانية؟

9- مهى كنج: سياسة الطفل الواحد في الصين: كيف قادت إلى تراجع المواليد وشيخوخة السكان؟

 

الأكثر قراءة

النهار بيديا 9/21/2026 11:05:00 AM
نعى الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم شقيقه الشيخ أحمد بن راشد آل مكتوم، الذي تُوفي صباح اليوم الاثنين، مستذكراً إياه بالدعاء، فيما كان الراحل شخصية بارزة في المجالات الأمنية والرياضية والاقتصادية في دبي، وشغل منصب نائب رئيس شرطة دبي والأمن العام وترأس نادي الوصل.
شمال إفريقيا 9/24/2026 7:22:00 AM
يحتفظ الملك بصلاحيات واسعة في تحديد التوجّهات السياسية وملفات الدفاع والشؤون الخارجية.
لبنان 9/23/2026 8:25:00 AM
المتّهم اعترف بارتكابه هذا الفعل، فيما تستمر التحقيقات بإشراف القضاء المختص لكشف كامل الملابسات والدوافع.
سياسة 9/23/2026 5:45:00 AM

يُضرب موعد مع الإضرابات والتحركات المطلبية الأسبوع المقبل، مع رصد الاجتماعات العمالية هذا الأسبوع لتحديد خريطة الاعتراض الشعبي على موجة الغلاء. فمن يتحرك؟ وما مدى الاستجابة للمطالب؟