التضخم في لبنان يتجاوز الصدمة العالمية: كيف يلتهم الغلاء المداخيل؟

اقتصاد وأعمال 14-09-2026 | 12:22

التضخم في لبنان يتجاوز الصدمة العالمية: كيف يلتهم الغلاء المداخيل؟

أزمة الطاقة العالمية تنعكس حكماً على الأسعار، ولا سيما أن كلفة النفط لا تمثل سوى جزء من السعر النهائي. فالشحن والتأمين والنقل والإمدادات تدخل جميعها في تكوين الكلفة.
التضخم في لبنان يتجاوز الصدمة العالمية: كيف يلتهم الغلاء المداخيل؟
متسوق يتفقد الأسعار داخل سوبرماركت في بيروت (رويترز)
Smaller Bigger

تتسع رقعة التضخم في لبنان لتطال القطاعات الأكثر التصاقاً بحياة المواطن. فالتعليم سجّل ارتفاعاً بنحو 35%، والنقل نحو 27%، فيما راوحت الزيادات في المياه والكهرباء والمحروقات بين 25% و35%. وارتفعت أسعار الغذاء بما لا يقل عن 15%، والمطاعم والفنادق بين 15% و20%، والسكن بين 10% و20% بحسب المناطق، مع تسجيل ارتفاعات أعلى في بعضها. أما الألبسة والأحذية فراوحت زياداتها بين 3% و9%.

 

 

هذه الارتفاعات لا تعمل منفردة. فالمحروقات ترفع كلفة النقل، والنقل يرفع كلفة التوزيع، والطاقة تزيد كلفة الإنتاج والتشغيل، فيما تنتقل هذه الزيادة في النهاية إلى السلع والخدمات، لتتحوّل الصدمة من ارتفاع في عنصر واحد إلى موجة تضخمية تطال قطاعات أساسية وتستنزف القدرة الشرائية.

 

 

وبحسب الخبير الاقتصادي زياد ناصر الدين، فإن الفارق بين التضخم العالمي، الذي يصل إلى نحو 4.6%، والتضخم في لبنان، الذي يتخطى 15.7%، لا يمكن فصله عن العوامل الداخلية. فالاقتصاد اللبناني المدولر لا يزال يحمل آثار الانهيار النقدي منذ عام 2019، فيما أدى الانتقال الواسع إلى التسعير بالدولار إلى نشوء تضخم دولاري لم يعد مرتبطاً فقط بسعر صرف الليرة.

الارتفاع عالمي... 

أزمة الطاقة العالمية تنعكس حكماً على الأسعار، ولا سيما أن كلفة النفط لا تمثل سوى جزء من السعر النهائي. فالشحن والتأمين والنقل والإمدادات تدخل جميعها في تكوين الكلفة. 

 

 

لكن المشكلة اللبنانية برأي ناصر الدين تبدأ عند انتقال هذه الكلفة إلى السوق. فالسعر العالمي للسلعة يمر عبر المرفأ والجمرك والاستيراد والتخزين والتوزيع والمتجر قبل أن يصل إلى المستهلك. ومع ضعف المنافسة وتمركز الأسواق، يمكن لكل حلقة أن تضيف كلفة جديدة.

 

والأكثر إشكالية أن الأسعار لا تتحرك بالسرعة نفسها في الاتجاهين. فالارتفاع العالمي يصل سريعاً إلى السوق اللبنانية، بينما لا تنعكس الانخفاضات بالسرعة ذاتها. وهنا يدخل الاحتكار وضعف الرقابة في صلب المشكلة، إذ يمكن أن تتحول الأزمات إلى فرصة لتوسيع هوامش الأرباح تحت عناوين مختلفة، بينها التحوّط من المخاطر.

الاحتكار والطاقة... وجهان للتضخم

تمركز الأسواق في يد عدد محدود من المؤسسات، إلى جانب ضعف المنافسة والرقابة والتهرب الضريبي، يجعل ضبط الأسعار أكثر صعوبة. ولا تقتصر النتيجة على ارتفاع السعر، بل تمتد إلى إبطاء انخفاضه عندما تتراجع الكلفة العالمية.

 

في المقابل، تشكل الطاقة أحد أكبر مصادر الضغط على الاقتصاد. فارتفاع كلفة الكهرباء والفيول والنفط والمحروقات ينعكس مباشرة على المؤسسات والأسر، فيما يجعل اعتماد لبنان الكبير على النقل الخاص المحروقات عاملاً مؤثراً في أسعار معظم القطاعات.

 

 

ومن هنا، فإن أزمة الطاقة لا تنحصر في فاتورة الكهرباء أو سعر صفيحة البنزين. إنها تدخل في كلفة كل سلعة تتحرّك على الطرق، وكل خدمة تحتاج إلى تشغيل ونقل، برأي ناصر الدين.

 

المحروقات... الفاتورة تتضخم

 

يشكل سوق المحروقات نموذجاً واضحاً. فعند ارتفاع السعر العالمي، يرتفع السعر المحلي، لكن عند انخفاضه لا يكون التراجع بالمستوى والسرعة نفسيهما.
ويشير ناصر الدين إلى فارق يراوح بين 5 و6 دولارات في كل صفيحة بنزين، معتبراً أن انعكاس الانخفاض العالمي بالكامل كان يمكن أن يخفف الضغط عن عدد كبير من القطاعات. فخفض كلفة المحروقات لا يعني فقط خفض فاتورة السائق، بل خفض كلفة نقل السلع وتوزيعها، وتالياً تخفيف جزء من التضخم المتراكم.

 

 

 صراف يحمل رزما من العملة اللبنانية في أحد محال الصرافة ببيروت (رويترز)
صراف يحمل رزما من العملة اللبنانية في أحد محال الصرافة ببيروت (رويترز)

 

 

التضخم يأكل الراتب والموازنة

الخلاصة أن المواطن يدفع التضخم أكثر من مرة. في راتبه الذي تتراجع قدرته الشرائية، وفي الأسعار التي ترتفع، وفي الخدمات الأساسية التي تستحوذ على حصة أكبر من دخله. ومع ارتفاع كلفة الغذاء والسكن والتعليم والطاقة، تتقلص قدرة الأسر على الادخار والاستهلاك.

 

ولا تتوقف التداعيات عند الأسر، فالمؤسسات تواجه بدورها ارتفاع كلفة التشغيل، ما يضغط على الاستثمار وفرص العمل، فيما تواجه الدولة ضغوطاً إضافية مع ارتفاع كلفة الخدمات والنفقات العامة.

 

لهذا، لا تبدو زيادة الرواتب حلاً كافياً. فإن لم تترافق مع معالجة مصادر التضخم، فقد تلتهم الأسعار الزيادة الجديدة سريعاً.

 

 

المطلوب، وفق رؤية ناصر الدين، يبدأ من مكان آخر. أولها الحد من الأرباح الهائلة الناتجة من الاحتكار، تعزيز المنافسة والرقابة، ومعالجة أزمة الطاقة والنقل. فالتضخم اللبناني ليس مجرد انعكاس للصدمة العالمية، بل نتيجة تفاعلها مع اقتصاد مثقل بتداعيات الانهيار النقدي وضعف المنافسة وارتفاع كلفة التشغيل.

الأكثر قراءة

النهار بيديا 9/21/2026 11:05:00 AM
نعى الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم شقيقه الشيخ أحمد بن راشد آل مكتوم، الذي تُوفي صباح اليوم الاثنين، مستذكراً إياه بالدعاء، فيما كان الراحل شخصية بارزة في المجالات الأمنية والرياضية والاقتصادية في دبي، وشغل منصب نائب رئيس شرطة دبي والأمن العام وترأس نادي الوصل.
شمال إفريقيا 9/24/2026 7:22:00 AM
يحتفظ الملك بصلاحيات واسعة في تحديد التوجّهات السياسية وملفات الدفاع والشؤون الخارجية.
لبنان 9/23/2026 8:25:00 AM
المتّهم اعترف بارتكابه هذا الفعل، فيما تستمر التحقيقات بإشراف القضاء المختص لكشف كامل الملابسات والدوافع.
سياسة 9/23/2026 5:45:00 AM

يُضرب موعد مع الإضرابات والتحركات المطلبية الأسبوع المقبل، مع رصد الاجتماعات العمالية هذا الأسبوع لتحديد خريطة الاعتراض الشعبي على موجة الغلاء. فمن يتحرك؟ وما مدى الاستجابة للمطالب؟