"أبناء جوجل وأحفاد المتنبي".. عصر السرعة يخطف الإنسان العربي!
تلك منطقة خطرة للكتابة المدهشة المثيرة، لأنها كتابة تتناول "الكتابة" ذاتها، حاضرها، ومستقبلها، ومصيرها، كعملية حيوية، وبالتالي فهي كتابة تتقصى المسار الإنساني كله، ومآل البشر المعنيين باللغة، والمفطورين على تهجّي الحروف، على وجه البسيطة.
في عمله الجديد "أبناء قوقل وأحفاد المتنبي - بين ذاكرة الورق وإغواء المنصات"، الصادر حديثاً عن دار متون للنشر والتوزيع في القاهرة (2026)، ينخرط الكاتب والشاعر السعودي إبراهيم زولي في عقد مقارنة شيّقة بين شاشة تبتلع العالم حالياً، وورقة كانت تنصت إليه في ما مضى!
إنها اللحظة البرزخية المشحونة بالتوتر التي تلتقطها كاميرا الباحث، حيث يقف فيها الإنسان العربي مرتبكاً ومتأرجحاً، بين ذاكرة لا تزال تؤمن ببطء القراءة وعمق اللغة، ووعي مستحدث تصوغه السرعة والإشعارات، والصور المتدفقة الخاطفة، التي تسلب الإنسان هويته وكينونته الآدمية.

منعطف مفصلي
لا يهدف إبراهيم زولي، المولود عام 1968 في جازان جنوبي المملكة العربية السعودية، من أطروحته إلى المفارقة السهلة الساذجة، فهو لا يضع "أبناء جوجل" العصريين، و"أحفاد المتنبي" المنغمسين في موروثهم، في معسكرين متناقضين متخاصمين، على طول الخط. ولكنه يسعى ببساطة ورشاقة إلى اكتشاف ما تغيّر في البشر، في هذه المنعطف المفصلي الذي تسوده الرقمية والثورة المعلوماتية والاتصالاتية، وتطغى عليه وسائل التواصل الاجتماعي، وغيرها من المؤثرات الإلكترونية الفاعلة.
يطمح زولي، صاحب المجموعات الشعرية "رويداً باتجاه الأرض" و"أول الرؤيا" و"الأجساد تسقط في البنفسج"، و"شجر هارب في الخرائط" وكتاب "ما وراء الأغلفة.. روائع القرن العشرين" وغيرها، في إصداره الجديد "أبناء قوقل وأحفاد المتنبي" إلى ارتياد مدارات الأسئلة المتشابكة، وإثارة الجدل حولها، أكثر من تقديم إجابات شافية عنها، إذ يبدو السؤال عنواناً لهذه المرحلة برمّتها في المسيرة الإنسانية والكونية على السواء.
يتساءل إبراهيم زولي عن الكيفية التي "تعيد بها المنصّات تشكيل انتباهنا، وذائقتنا، وصورتنا عن أنفسنا، وعلاقتنا بالمعرفة والآخرين"، يتتبع بأناة ماذا كسب البشر من اتساع الوصول، وماذا خسروا من الصبر والعمق، ليصل في نهاية المطاف إلى حلقة استفهامية تبقى مفتوحة "كيف نعيش زمن الشاشة، من غير أن نفقد الإنسان الذي يعرف متى يمر، ومتى يقيم؟!".

أعماق القضية
إن ما يُكسب كتاب زولي (180 صفحة)، بفصوله ومباحثه المتنوعة، أهمية مضاعفة، أنه يتعمق في سبر أغوار القضية، في جوهرها، باعتبار أنها ليست مجرد قضية أدوات فحسب. فليست المسألة أن أن الشاشة حلّت محلّ الورق، أو أن المكتبة انزوت قليلاً أمام المنصات، ولكنها أعمق من ذلك بكثير، بحدّ رؤيته، إذ تمسّ بنية الإدراك نفسها، شكل الانتباه، إيقاع الزمن، صلة الإنسان بلغته، علاقته بأسرته، طريقته في بناء صورته عن نفسه، ومفهومه للمعرفة والنجاح والظهور.
ويصل زولي، من خلال قراءته التحولات الإنسانية المذهلة خلال العقود الأخيرة، إلى أن أخطر ما في الثقافة الحديثة، ليس ما تقوله بصوت عالٍ، بل ما تمرره همساً، عبر الصورة والتكرار والإيقاع اليومي والعادة التي لا نشكّ فيها.
وهنا يتقاطع الباحث مع مقولة رولان بارت في كتابه "أسطوريات" بشأن أن الأسطورة تحوّل التاريخ إلى طبيعة، أي أنها تجعل ما هو مصنوع وتاريخي وقابل للنقد، يبدو كأنه أمر طبيعي لا يُسأل عن أصله، ولا عن مصلحته.
وهكذا، مثلما يخلص زولي في دراسته المهمّة، فإن ما تفعله المنصّات الإلكترونية اليوم، في كثير من وجوهها، قريب من هذا السحر الناعم "إنها لا تفرض رؤيتها علينا، بالعصا، بل تجعلنا نألفها، حتى نظنها هي العالم نفسه!".
مكاسب التقنية
وعلى رغم هذه السلبيات المقترنة بظهور المنصات، التي يشير إليها زولي، فإنه لا يغفل أيضاً في أطروحته قراءة ذلك الوجه المضيء للتقنية، وما الذي أعطته المنصات ولم نكن نملكه. ومن ذلك، على سبيل المثال، أن هذه المنصات "قد كسرت احتكارات قديمة، وفتحت مسارب لم تكن في المتناول، وقرّبت المعرفة من أناس لم يكن الوصول إليها يسيراً لهم، ورفعت أصواتاً من الهامش، وجعلت النشر ممكناً لمن كان يطرق الأبواب عبثاً فلا يجد من يفتح له".
ومن مكاسب المنصات أيضاً أنها أسهمت بكثافة في توليد مجتمعات قرائية، وإيجاد اهتمامات مشتركة عابرة للمدن والحدود. كما أنها "أتاحت الأرشيف، وسرّعت طلب العلم، ومنحت الإنسان العادي نافذة يمكن أن يُطل منها على العالم، لا أن يبقى متلقياً لما يختاره له مركز بعيد". وهذه كلها ليست مزايا هامشية، وفقاً للباحث السعودي، بل تحولات عميقة ينبغي الاعتراف بها، لا لتبرئة التقنية، بل لفهمها فهماً لا يتعجل الإدانة.
نبض