رئيس سويسرا فقد شغفه… وماذا نفعل نحن حين يحدث الأمر نفسه؟
اعتراف الرئيس السويسري غي بارمولان بأن شغفه بالعمل لم يعد كما كان في البداية، بعد 11 عاماً في الحكومة، أعاد سؤالاً يتجاوز السياسة: ماذا يحدث حين نفقد الحماسة تجاه وظيفة أو مشروع أو حتى حياة اخترناها يوماً بحب؟ وهل يمكن استعادة الشغف، أم أن بعض النهايات جزء طبيعي من تغيّر الإنسان؟
في جملة قصيرة قالها أمام الصحافيين في برن، خرج غي بارمولان من اللغة السياسية المعتادة إلى مساحة يعرفها كثيرون جيداً. الرئيس الدوري للاتحاد السويسري ووزير الاقتصاد أعلن أنه سيغادر المجلس الفيديرالي في نهاية عام 2026 بعد 11 عاماً في الحكومة، وقال إن "الشغف بالعمل لم يعد بالقوة نفسها التي كان عليها في البداية"، موضحاً في الوقت نفسه بأن قراره لا يرتبط بمشكلة صحية، وأنه يريد إفساح المجال أمام "طاقات جديدة".
بعيداً عن السياسة، بدت العبارة مألوفة على نحو لافت. كم شخصاً بدأ وظيفة بحماسة، ثم اكتشف بعد سنوات أنه لم يعد ينتظر صباح العمل بالطريقة نفسها؟ وكم مشروعاً بدأ بشغف ثم تحوّل إلى لائحة من الواجبات؟ وهل يعني اختفاء الحماسة أن الوقت حان للرحيل؟

الشغف ليس عقداً أبدياً
تروّج ثقافة العمل الحديثة كثيراً لفكرة "اعمل ما تحب"، حتى أصبح العثور على الشغف شبيهاً بالعثور على إجابة نهائية للحياة المهنية. لكن الإنسان الذي يختار مهنته في الخامسة والعشرين ليس بالضرورة الشخص نفسه في الأربعين أو الخمسين.
تتغيّر الأولويات، وتتبدّل الظروف، وما كان يمنحنا الشعور بالإنجاز في مرحلة ما قد يصبح أقل أهمية لاحقاً. لذلك قد لا يكون تراجع الشغف دليلاً على أن الاختيار الأول كان خاطئاً، بل ببساطة على أن الإنسان تغيّر.
ربما تكمن المشكلة في أننا نتقبل بسهولة تغيّر أذواقنا ومدننا وصداقاتنا، لكننا نجد صعوبة أكبر في الاعتراف بأن علاقتنا بعمل أحببناه يمكن أن تتغير أيضاً.
فقدان الشغف أم الإرهاق؟
لكن ليس كل من يقول "لم أعد أحب عملي" قد فقد شغفه فعلاً.
منظمة الصحة العالمية تميّز الاحتراق المهني الناتج من ضغط مزمن في مكان العمل لم تجرِ إدارته بنجاح، وتربطه بثلاثة عناصر رئيسية: الإرهاق، والابتعاد النفسي أو الشعور بالسلبية تجاه الوظيفة، وتراجع الإحساس بالفاعلية المهنية. وتعتبره ظاهرة مرتبطة بالسياق المهني، لا تشخيصاً طبياً بحد ذاته.

وهنا يصبح السؤال مختلفاً: ألم نعد نحب ما نفعله، أم أننا فقط متعبون جداً كي نحبه؟
فقد يكون الشخص لا يزال متعلقاً بمهنته، لكن ساعات العمل الطويلة أو التكرار أو غياب التقدير أو فقدان مساحة الإبداع جعلته عاجزاً عن الشعور بالحماسة التي عرفها سابقاً.
قبل الاستقالة… هل يمكن تغيير العلاقة بالعمل؟
ليس الحل دائماً في كتابة رسالة استقالة.
في علم النفس التنظيمي، هناك مفهوم يعرف بـ(Job Crafting)، أي أن يعيد الموظف، ضمن المساحة المتاحة له، تشكيل بعض مهماته أو علاقاته أو طريقته في النظر إلى دوره، بما يجعل العمل أكثر ارتباطاً بما يهمه شخصياً.
قد يعني ذلك طلب مسؤوليات جديدة، العودة إلى الجانب الذي جذبنا إلى المهنة أساساً، تعلم مهارة مختلفة، تغيير الفريق أو حتى وضع حدود أكثر وضوحاً بين العمل والحياة.
وأحياناً لا يحتاج الإنسان إلى مهنة جديدة بقدر ما يحتاج إلى طريقة جديدة للعيش داخل مهنته.

وهل يجب أن نكون شغوفين طوال الوقت؟
ربما السؤال الأصعب هو: لماذا نتوقع ذلك أصلاً؟
لا تبقى أي علاقة إنسانية في ذروة الحماسة إلى الأبد؛ فلماذا نطلب ذلك من العمل؟ هناك أيام يكون فيها المعنى أقوى من الحماس، وأيام نقوم فيها بعملنا ببساطة لأنه مسؤولية وليس لأنه يجعلنا نقفز من السرير صباحاً.
المشكلة تبدأ عندما تصبح الوظيفة مطالبة بتقديم كل شيء في وقت واحد: المال، والهوية، وتحقيق الذات، والإبداع، والمكانة الاجتماعية، والشعور بالهدف. عندها يمكن أن يبدو أي فتور صغير كأنه أزمة وجودية.
أحياناً… يكون الرحيل أيضاً إجابة
مع ذلك، ليست كل علاقة بالعمل قابلة للإنقاذ.
قد يحاول الإنسان التغيير والراحة وإعادة ترتيب أولوياته، ليكتشف أن ما كان يشبهه يوماً لم يعد يشبهه الآن. عندها لا يكون السؤال كيف نستعيد الشغف القديم، بل ما إذا كنا نحتاج فعلاً إلى استعادته.

ربما كان في جملة بارمولان ما يتجاوز قصة سياسي يغادر منصبه؛ ففي ثقافة تحتفي كثيراً بالبدايات وبالاستمرار، نتعلم أقل عن فن إنهاء المراحل.
أن نفقد شغفنا بشيء أحببناه لا يلغي السنوات التي أحببناه فيها. وأحياناً، لا تكون استعادة الشغف هي النهاية الوحيدة السعيدة للقصة، فقد تكون الشجاعة أيضاً في الاعتراف بأن مرحلة أدّت دورها، وفي ترك مساحة لشيء جديد كي يبدأ.
نبض