مغامرات المسرح التجريبي في مهرجان القاهرة الدولي
لا يكف المسرح التجريبي المصري والعربي والعالمي، في صيغه الحداثية ومعالجاته الذكية، عن خوض مغامراته الشيّقة، وممارسة انزياحاته الجريئة واقتحاماته المثيرة المدهشة، فنيّاً وأدائيّاً وتقنيّاً، على السواء.
يُوسّع "أبو الفنون"، في عروضه الابتكارية، مفاهيم العُلبة المسرحية ومعطياتها إلى أقصى حد، كاسراً نمطيتها وتقليديتها، حيث يرتاد فضاءات رحبة تسمح بانطلاقات وقفزات وتخييلات متفوقة، وتفتح الباب لإنتاج لغة مسرحية مغايرة، والاشتباك الدينامي مع التساؤلات المتعمقة والشائكة، والتجارب الإنسانية الثرية.
وتكثّف الدورة الـ33 من مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي (سبتمبر/ أيلول 2026) بمشاركة 19 عرضاً من 14 دولة، الضوء على تطورات المسرح وتحولاته العصرية ورؤاه وأساليبه المتنوعة. وتعكس عروض المهرجان، خصوصاً المتوّجة بجوائز مسابقته الرسمية، أبرز الظواهر والمقاربات والتجليات المسرحية المستجدة في اللحظة الراهنة.

حلقات الارتقاء
تضيف عروض المهرجان القاهري الدولي، برئاسة سامح مهران، حلقة جديدة إلى سلسلة الارتقاء بالفن المسرحي التجريبي، لاسيما على مستوى التكثيف البصري، والحركية، والتفاعل الحي مع المتلقي، الذي لم يعد متفرجاً سلبيّاً أو منعزلاً عن الأحداث، بل صار منخرطاً فيها، وربما مشاركاً على نحو ما في مساراتها وتشعباتها.
تتعدد جوائز المهرجان، لتفسح المجال واسعاً للتركيز على مفردات الصناعة المسرحية التجريبية وعناصرها وآلياتها المختلفة، النَّصية والتمثيلية والسينوغرافية والإخراجية. ووفقاً للجنة التحكيم الدولية برئاسة الفنان المصري رياض الخولي، فإن الجائزة المالية لأفضل عرض من نصيب مسرحية "جينيا + تانيا = حب" (Zhenya + Tanya = Love) لمسرح الشباب الأكاديمي الحكومي البيلاروسي، وهو العرض ذاته الفائز بجائزة أفضل ممثلة للفنانة كاترسينا كريلوفا.

أما جائزة أفضل ممثل فمن نصيب أليكسي تيتكوف عن عرض "ليزا المسكينة" من روسيا، وأمير دريدي عن عرض "لاموضي - Show Off"، من تونس، وهو العرض الفائز أيضاً بجائزة أفضل مخرج للطاهر عيسى. أما جائزة أفضل سينوغرافيا فمن نصيب سماح حمدي عن عرض "بماذا يحلم الناجون؟" من مصر، وجائزة أفضل نص لفهد ردة الحارثي عن عرض "الناعشون" من السعودية.
وتشمل دائرة التكريمات أيضاً جائزة لجنة التحكيم الخاصة لعرض "لعبة ليلية" من المملكة المتحدة، ومنح شهادات تقدير للعرض ذاته، وللعروض: "أنت منذ الأمس" (الأردن)، و"غياهب الروح" (الإمارات)، و"ليزا المسكينة" (روسيا)، و"بماذا يحلم الناجون؟" (مصر).

تابلوهات حداثية
يجسّد العرض التجريبي "جينيا + تانيا = حب" لشباب بيلاروسيا، بأسلوب حداثي متطور، الرواية الشعرية الكلاسيكية "يفغيني أونيغين"، التي كتبها في القرن التاسع عشر الشاعر والكاتب الروسي ألكسندر بوشكين (1799-1837). وتحل الحركة الدائمة، والرقصات، والأنفاس الموسيقية المجردة، وشاعرية الصورة، وحساسية السينوغرافيا وبساطتها، والانفلاتات العاطفية المتدفقة والمتأججة في التعبير الأدائي المرن، محل الحبكة الشعرية اللغوية والتصويرية في النص الأصلي المكتوب.
ومن خلال مشاهد قصيرة، ومواقف مختزلة، مشغولة أدائيّاً بعناية، ومدعومة بتقنيات صوتية وضوئية عالية، يكاد ينصهر المتلقي في التابلوهات الصراعية، ذات الطابع الأوبرالي، أو تلك الشبكة من العلاقات الإنسانية المتوترة، التي تجمع أبطال العمل في تقاطعاتها وتناقضاتها، بين الحب والكراهية، الوفاء والخيانة، السعادة والألم، الطمأنينة والاضطراب النفسي.

وبدوره، يوظف العرض الروسي "ليزا المسكينة" قصة كلاسيكية للكاتب نيكولاي كرامزين (1766-1826) حول الحب الأول بين أحد النبلاء وفتاة ريفية، طارحاً من خلال معالجة حركية وأدائية وقوالب موسيقية وغنائية تساؤلات حول مدى إمكانية تحدّي القدر ومواجهته.
ويهدم العرض التونسي "لاموضي - Show Off"، للمؤلف والمخرج الطاهر عيسى، تماماً ذلك الحاجز الوهمي أو الجدار الرابع بين الممثلين والجمهور، ففي نهاية العرض على سبيل المثال ينتقل المؤدون من العُلبة المسرحية المفتوحة إلى منطقة المتفرجين، ويقدّمون لهم أغصان الزيتون تأكيداً لحضورهم التفاعلي منذ بداية العرض.
يتسم العرض بمسحة سوريالية جاذبة وأخاذة، طارحاً من خلال منظومته المسرحية المُركّبة إحالات رمزية متعددة المعاني والطبقات. فمن خلال طبيعة "الموضة" وما يرتديه الإنسان، يجري الغوص خلف محاولة إيجاد تفسير فلسفي للعالم المادي، ذلك الذي يسيطر عليه التسويق والاستهلاك وتحكمه الصور المتلاحقة. فهل ما ينتقيه الإنسان لروحه وعقله وآرائه وسلوكه ومظهره، هو اختيار حر في حقيقة الأمر، أم أنه مقيّد وموجّه؟

ترسيم الرسائل
ويتوازى الطرح الفكري لتمرير الرسائل الاجتماعية والسياسية والإيديولوجية والأخلاقية والوجودية وغيرها، مع ترسيم هذه الرسائل جماليّاً وإكسابها السمت المسرحي التجريبي المتجاوز، في مجموعة من العروض المصرية والعربية في المهرجان.
واللافت، أن المضمون الذي تنطوي عليه مثل هذه العروض، يبىقى عادة هامساً في الهامش أو الخلفية من دون أن يتصدر العمل أو يشوّش عليه أو يربكه أو يشتته، في حين تبقى "البطولة" الفعلية محفوظة عادة للمسرحة المكتفية بذاتها، والمشحونة بجمالياتها الخاصة.
من هذه العروض، المسرحية السعودية "الناعشون"، للمؤلف فهد ردة الحارثي، والمخرج أحمد الأحمري، والتي تتعاطى مع مصير الكون ومآل البشر المعاصرين جرّاء تصاعد الحروب الكبرى وتفاقم الأوبئة العابرة للحدود. ويتحقق الهدف دائماً من خلال الألاعيب والتخييلات المسرحية والمفارقات الفنية الواعية، فالرقص الصامت حول النعوش مثلاً بطريقة هزلية يختصر عشرات المقولات المسكوت عنها حول عبثية الحياة ولاجدواها وفقدان الإحساس بهيبة الموت وسطوته.

وتنتمي إلى هذه العروض أيضاً المسرحية المصرية "بماذا يحلم الناجون؟"، من إخراج سماح حمدي، باستلهامها أيقونات الناجين من حرب غزة لتصوير أزمات الفقدان والقسوة والتهجير وغياب الهوية وانسداد نوافذ الحلم، من خلال التجسيد الأدائي الحي، والسينوغرافيا التفاعلية، وشريط الفيلم المصاحب للعرض.
كما تتكشف في العرض الإماراتي "غياهب الروح"، من تأليف عبد الله إسماعيل عبد الله، وإخراج عبد الرحمن الملا، صور وطبقات متنوعة من الظلمات، على نحو بصري مباشر على الخشبة، في السينوغرافيا القاتمة. وهي بطبيعة الحال دوالّ ورموز تعكس مسرحيّاً كل ما يعانيه البشر من ظلام خارجي (القهر، التسلط، الجبروت)، وظلام داخلي (اليأس، الخنوع، انكسار الروح).
وبدوره، يقدّم العرض الأردني "أنت منذ الأمس" للمخرج عبد السلام قبيلات، مزجاً بين الكلمات ولغة الجسد والسحر الموسيقي. كما يفجّر العرض خلخلة زمنية، لإعادة إنتاج الماضي (أجواء هزيمة 1967) في العُلبة المسرحية (آلة الزمن)، وكأنه حاضر جديد يخضع للاختبار مرة أخرى. وتتيح هذه اللعبة، بفنياتها المسرحية الفائقة، الفرصة لإطلاق سيل من التساؤلات والإسقاطات بشأن تحولات الإنسان العربي على مدار قرابة ستين عاماً من الأحداث المتلاحقة.
نبض