زياد الرحباني... سنةُ الغياب وعمرُ الحضور

ثقافة 26-07-2026 | 15:02

زياد الرحباني... سنةُ الغياب وعمرُ الحضور

كلّ ما يُكتب عنه، مهما بلغ من البلاغة، سيبقى أقلّ من عبقريته.

زياد الرحباني... سنةُ الغياب وعمرُ الحضور
زياد الرحباني الحاضر دائماً بعبقريته.
Smaller Bigger

مرّت سنة على رحيل زياد الرحباني. الغياب تفصيل ضئيل أمام حضوره. كأنّ الموت، حين بلغه، لم يجد ما يأخذه منه؛ إذ كان قد وزّع نفسه في اللحن والكلمة والموقف، وترك في كلّ واحد منها ما يكفي ليقيم بيننا طويلاً.

سنةٌ مرّت، وبقي العقل القلِق الذي لم يطمئنّ إلى جواب، وتلك السخرية التي تشقّ الكلام نصفين، نصفاً نضحك له، ونصفاً يفضح هشاشتنا.

ليس سهلاً أن نكتب عنه من غير أن نظلمه. لن نفيه حقّه مهما كتبنا. فكلّ ما يُكتب عنه، مهما بلغ من البلاغة، سيبقى أقلّ من عبقريته، لأنّ العبقرية، بطبيعتها، لا تُشرح.

ماذا نكتب عنه بعد سنة إذاً؟

كان زياد قطيعةً وابتداءً؛ حداً فاصلاً بين ما سبقه وما أعقبه. دخل الموسيقى من أبوابها كلّها، ثم خرج منها إلى بابٍ صنعه بنفسه. أخذ من الشرق سرّه، ومن الجاز حريته، ومن المدينة ضجيجها، ومن الناس تعبهم، وصهر ذلك كلّه في لغةٍ جديدة، ثم صارت بعده درساً ومطمعاً.

 

زياد الرحباني. (أرشيفية)
زياد الرحباني. (أرشيفية)

 

غير أنّ زياد لا يُقلَّد. يمكن استعارة نبرته، ويمكن تقليد سكونه، لكنّ العبقرية ليست وصفةً قابلةً للاستنساخ. إنها تلك اللحظة التي يسبق فيها صاحبها الجميع، ثم يتركهم يسيرون طويلاً في أثره. وكلّ من بدا شبيهاً بزياد لم يكن سوى شاهدٍ جديد على فرادته.

كان في الكلمة موسيقياً، وفي الموسيقى كاتباً، وفي المسرح مؤرخاً سرياً لخرابنا. أرّخ الحروب بما فعلته في النفوس، لا بأسمائها، وكتب السياسة كما تتسرّب إلى البيوت، وإلى الحب، وإلى الرفيق ورفيقه، وإلى تفاصيل الناس الصغار الذين يدفعون دائماً ثمن أخطاء الكبار.

ماذا نكتب عنه بعد سنة إذاً؟ كيف نفيه حقّه؟ وبأي كلام؟ كلّ ما يُكتب عنه أقلّ منه، وكل مديحٍ له يضيق به. لأننا نكتب عن وجدانٍ صار جزءاً من اللغة التي نحبّ بها ونغضب ونتهكّم ونحزن. ربما مسؤوليتنا اليوم لا أن نرثيه، بل أن نحمي إرثه الذي هو جزء من الذاكرة الثقافية للبنان والعالم العربي. وهذا الإرث يستحق مشروعاً وطنياً حقيقياً للحفظ والتوثيق والصون، يضمن أرشفة أعماله الموسيقية والمسرحية والكتابية، وصيانتها، وحمايتها من السرقة الفكرية والتزوير والاستغلال، وإتاحتها للأجيال المقبلة بعيداً من الفوضى والعبث.

وهذه المسؤولية لا تنفصل عن مسؤولية أكبر: حماية الإرث الفني للسيدة فيروز، الذي يشكل مع إرث زياد إحدى أعظم الثروات الثقافية التي أنجبها لبنان. إن الحفاظ على هذا التراث واجب وطني، لأن الأمم التي لا تحمي ذاكرتها، تفقد تدريجياً قدرتها على حماية مستقبلها.

مرّت سنة على رحيل زياد، ومثلها ستمرّ سنوات؛ لكنّها لن تنجح في دفعه خطوةً واحدة نحو الغياب. ما زال هنا، أقرب من كثيرين يمشون بيننا.

رحل زياد، وبقي زياد. غيابه وسّع حضوره.

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

النهار بيديا 9/21/2026 11:05:00 AM
نعى الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم شقيقه الشيخ أحمد بن راشد آل مكتوم، الذي تُوفي صباح اليوم الاثنين، مستذكراً إياه بالدعاء، فيما كان الراحل شخصية بارزة في المجالات الأمنية والرياضية والاقتصادية في دبي، وشغل منصب نائب رئيس شرطة دبي والأمن العام وترأس نادي الوصل.
شمال إفريقيا 9/24/2026 7:22:00 AM
يحتفظ الملك بصلاحيات واسعة في تحديد التوجّهات السياسية وملفات الدفاع والشؤون الخارجية.
لبنان 9/23/2026 8:25:00 AM
المتّهم اعترف بارتكابه هذا الفعل، فيما تستمر التحقيقات بإشراف القضاء المختص لكشف كامل الملابسات والدوافع.
سياسة 9/23/2026 5:45:00 AM

يُضرب موعد مع الإضرابات والتحركات المطلبية الأسبوع المقبل، مع رصد الاجتماعات العمالية هذا الأسبوع لتحديد خريطة الاعتراض الشعبي على موجة الغلاء. فمن يتحرك؟ وما مدى الاستجابة للمطالب؟