أحمد قعبور… الصوت الذي شدّ على أيادينا ورحل

ثقافة 26-03-2026 | 17:53

أحمد قعبور… الصوت الذي شدّ على أيادينا ورحل

أحمد قعبور… من يشدّ على أيادينا الآن؟
أحمد قعبور… الصوت الذي شدّ على أيادينا ورحل
الفنان الراحل أحمد قعبور. (سوشيل ميديا)
Smaller Bigger

لم يكد خبر رحيل أحمد قعبور يصل، حتى بدا كأنّ شيئا قديماً فينا انطفأ معه… كأنّ صوتا كان يسند الذاكرة منذ زمنٍ بعيد قرّر أخيرا أن يتركها وحدها.

في لحظةٍ كهذه، لا يصل الخبر أولا… بل يصل الفراغ.
شيءٌ ما ينقص فجأة، من دون أن نعرف كيف نسمّيه. ليس لأن أحمد قعبور رحل فحسب، بل لأن جزءا من تلك اللغة التي كنا نفهم بها أنفسنا اختفى معه.

لم يكن صوته يوما أعلى الأصوات، لكنه كان الأكثر بقاءً. يدخل من دون ضجيج، ويستقرّ حيث لا تصل العبارات الثقيلة ولا الشعارات. لذلك يبدو رحيله الآن أشبه بانسحابٍ هادئ لشيءٍ كان يسندنا من دون أن ننتبه.

في مدينةٍ تتكدّس فيها الأصوات، ويصير الكلام فائضا عن الحاجة، يغيب الصوت الذي لم يكن يحتاج إلى أن يعلو كي يُصدَّق. كأننا، للمرة الأولى، نسمع الصمت على حقيقته.

لم يكن قعبور مجرّد مغنٍ. كان واحدا من أولئك الذين لم يفصلوا يوما بين الفن والحياة. منذ بداياته في منتصف السبعينيات، ومع أغنيته الأشهر "أناديكم" على كلمات الشاعر الفلسطيني توفيق زياد، بدا واضحا أن صوته لا يسعى إلى الانتشار بقدر ما يسعى إلى المعنى. لم يغنِّ من موقع المراقب، بل من موقع المنخرط في وجع الناس، في زمنٍ كان فيه الغناء أقرب إلى بيانٍ إنساني منه إلى عمل فني.

نشأته في بيروت، في بيتٍ متواضع يتداخل فيه صوت الكمان مع تفاصيل الحياة اليومية، جعلت الفن لديه امتدادا طبيعيا للمعيش، لا ترفا منفصلا عنه. من تلك البيئة خرج صوته مشبعا بالذاكرة: ذاكرة المدينة، وذاكرة الحرب، وذاكرة الإنسان البسيط الذي يبحث عن معنى في كل هذا الخراب. لذلك لم تكن أغانيه شعارات، بل محاولات صادقة للإمساك بما يتفلّت من اليد.

 

الفنان الراحل أحمد قعبور. (فايسبوك)
الفنان الراحل أحمد قعبور. (فايسبوك)

 

ارتبط اسم قعبور بفلسطين كما لو أنها جزء من سيرته الشخصية، لا قضية خارجية. لم يكن ذلك التزاما سياسيا بقدر ما كان انحيازا إنسانيا عميقا، جعل من صوته مساحةً مشتركة بين الألم والأمل. من "أناديكم" إلى "نحنا الناس" و"بيروت يا بيروت"، ظلّ وفيا لفكرة واحدة: أن الغناء يمكن أن يكون شكلا من أشكال المقاومة، ولو كان مقاومة النسيان.

في السنوات الأخيرة، بدا وكأنه يواجه معركته الأكثر خصوصية. المرض الذي داهمه لم يدفعه إلى التراجع، بل إلى التمسك أكثر بما تبقّى من صوته. قبل أسابيع قليلة فقط، اختار أن يعتلي المسرح ويغنّي، متحديا جسدا يخذله. لم يكن ذلك استعراضا للشجاعة، بل تعبيرا عن قناعة راسخة بأن الفن ليس ما نفعله حين نكون بخير، بل ما نلجأ إليه حين يضيق كل شيء.

رحيله اليوم لا يمكن فصله عن هذا السياق الأوسع: زمنٌ تتكاثر فيه الأصوات، ويقلّ فيه الصدق. في مثل هذا الزمن، يبدو غياب قعبور أشبه بانسحاب نغمةٍ هادئة من ضجيجٍ لا ينتهي. لم يكن الأعلى صوتا، لكنه كان الأصدق، وربما لهذا تحديدا يترك فراغا لا يُملأ بسهولة.

يبقى السؤال الذي يفرض نفسه: هل تعب أحمد قعبور أخيرا؟ أم أن العالم من حوله صار أثقل من أن يُحمل بالأغاني وحدها؟ في الحالتين، ما يتركه وراءه يتجاوز سيرة فنية إلى ذاكرة جماعية، إلى صوتٍ سيبقى حاضرا كلما احتاج الناس إلى ما يذكّرهم بأن الغناء يمكن أن يكون أكثر من موسيقى… يمكن أن يكون موقفا، وملاذا، وربما شكلًا من أشكال النجاة.

 

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

النهار بيديا 9/21/2026 11:05:00 AM
نعى الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم شقيقه الشيخ أحمد بن راشد آل مكتوم، الذي تُوفي صباح اليوم الاثنين، مستذكراً إياه بالدعاء، فيما كان الراحل شخصية بارزة في المجالات الأمنية والرياضية والاقتصادية في دبي، وشغل منصب نائب رئيس شرطة دبي والأمن العام وترأس نادي الوصل.
شمال إفريقيا 9/24/2026 7:22:00 AM
يحتفظ الملك بصلاحيات واسعة في تحديد التوجّهات السياسية وملفات الدفاع والشؤون الخارجية.
لبنان 9/23/2026 8:25:00 AM
المتّهم اعترف بارتكابه هذا الفعل، فيما تستمر التحقيقات بإشراف القضاء المختص لكشف كامل الملابسات والدوافع.
سياسة 9/23/2026 5:45:00 AM

يُضرب موعد مع الإضرابات والتحركات المطلبية الأسبوع المقبل، مع رصد الاجتماعات العمالية هذا الأسبوع لتحديد خريطة الاعتراض الشعبي على موجة الغلاء. فمن يتحرك؟ وما مدى الاستجابة للمطالب؟