مسرحية "الحبل": صراع داخلي يُرى على الخشبة

ثقافة 08-01-2026 | 13:57

مسرحية "الحبل": صراع داخلي يُرى على الخشبة

نرجسية الأم على خشبة المسرح: آن-ماري سلامة تفتح الجرح

مسرحية "الحبل": صراع داخلي يُرى على الخشبة
الممثلة آن - ماري سلامة
Smaller Bigger
لم أكن مستعدة لما شعرت به بعد انتهاء العرض الأول لمسرحية "الحبل"، كتابة وتمثيل آن-ماري سلامة، على خشبة مسرح مونو. لم تكن الصدمة على وجهي وحدي؛ كانت على وجوه الحاضرين جميعاً. التفتُّ إلى الخلف، أمسكتُ يد متفرّجة تبكي بحرقة، كأنها تمسك بالحبل ذاته الذي تتحدث عنه المسرحية، ذاك الحبل غير المرئي الذي يربط أبناءً بأمهات نرجسيات ويشدّهم كلما حاولوا التنفّس. ربما نجحت، ولو للحظة، في قطعه. وأنا؟ كنت عاجزة عن الكلام، وكل ما استطعت فعله حين رأيت آن-ماري في الكواليس هو أن أحتضنها. فقد أبكتني.

صوتها المبحوح، الخارج من صراخ يخرج من القلب، لا يمكن أن ينساه أحد. آن-ماري لعبت أكثر من شخصية وارتجلت أصواتاً متعددة، ونجحت في إيصال الفكرة بكل صدق وعمق، بينما جسدها ولغة حركتها كانت ترجمة مباشرة لمعاناتها الداخلية، في دراماتورجيا موجعة أبدعها المخرج الدكتور هشام زين الدين.


خلال حديثي معها، فهمت أن "الحبل" لم يولد من فكرة مسرحية عابرة، بل من مسار طويل من البحث وطرح الأسئلة. دافع آن-ماري الأساسي نابع من شغفها بالبحث منذ الطفولة، ومن رفضها الامتثال للإجابات الجاهزة أو لعب دور المتلقّي الصامت. منذ بداياتها الأكاديمية والمسرحية، اختارت الاقتراب من الموضوعات المسكوت عنها، تلك التي يخاف المجتمع مواجهتها أو يفضّل إنكارها.

  بوستر مسرحية الحبل لآن ماري سلامة وهشام زين الدين
بوستر مسرحية الحبل لآن ماري سلامة وهشام زين الدين


أبحاثها الأكاديمية، ولا سيما منها أطروحتها للدكتوراه، ركّزت على العلاقة بين المعاناة الذاتية والإنتاج الإبداعي. بحسب آن-ماري، الصورة العامة للنجاح والشهرة غالباً ما تُخفي معاناة نفسية عميقة، عزلة، قهراً، وأفكاراً سوداء لا يراها أحد، ويظن الناس أن المشاهير محظوظون بينما يخفون وراء الابتسامة اكتئاباً وانهيارات ومحاولات انتحار.

المسرحية مستوحاة من حياة عدد من المشاهير الذين أثّروا فيها، مثل مارلين مونرو وداليدا وغيرهما. شخصيات كانت لامعة في نظر الجمهور، لكنها حملت جرحاً نرجسياً عميقاً، مرتبطاً غالباً بعلاقات الطفولة الأولى. تركّز المسرحية على الأم النرجسية، التي تحوّل طفلها إلى امتداد لذاتها، وتغلف السيطرة باسم الحب، والتضحية باسم القهر، وتزرع الذنب في نفوس أبنائها، فتخلق صراعات تدوم معهم حتى الكبر. في هذا السياق، تصبح الابنة عالقة بين حبها وخوفها، بين الرغبة في الانعتاق والحاجة إلى القبول.

وتؤمن آن-ماري بأن الجسد يحتفظ بذاكرة القمع، وأن ما لا يُقال يتحوّل إلى أعراض نفسية وجسدية. الفن بالنسبة لها هو محاولة لإنقاذ النفس، لكنه لا يكفي من دون وعي ودعم نفسي وحب حقيقي.

لقطة من عرض مسرحية الحبل للمثلة والكاتبة آن ماري والمخرج هشام زين الدين
لقطة من عرض مسرحية الحبل للمثلة والكاتبة آن ماري والمخرج هشام زين الدين



المخرج هشام زين الدين، الذي تكاتف مع آن-ماري لتحويل النص النفسي العميق إلى عرض مسرحي حيّ، أكد أن المسرحية لا تنتهي عند إسدال الستار، بل تبدأ عنده. "الجمهور هو من يكمل العمل: يفكر، يحلل، ويأخذ الأسئلة معه إلى حياته اليومية"، قال. وأضاف أن أصعب التحديات كانت تحويل البحث النفسي العميق إلى جسد حيّ على الخشبة، من دون فقدان المعنى، مع الاعتماد على مرجعية علمية دقيقة. وأكد أن أهمية "الحبل" تكمن في الحديث عمّا لا يُحكى، عن الغالبية الصامتة والعلاقات الحساسة داخل الأسرة والمجتمع، كقضايا عامة يعيشها كثيرون بصمت.

لتأكيد دقة المضمون النفسي وضمان سلامة الممثل والجمهور، لعب مستشار علم النفس روجيه بخعازي دوراً محورياً. لم يقتصر عمله على المراجعة النظرية فحسب، بل شمل التوجيه لضمان إيصال الرسائل النفسية بطريقة علمية، آمنة، ومراعية للتابوهات المجتمعية.

أشار الدكتور بخعازي إلى أن النص خضع لمراجعة علمية دقيقة لضمان إيصال الرسائل النفسية بطريقة صحيحة، ضمن إطار آمن، بعيداً من التجريح أو الانتقام، مراعياً التابوهات المجتمعية. وأضاف: "كان دورنا توجيه العمل لضمان سلامة الممثل والجمهور، وضبط الكادر الدرامي والنفسي، مع الأخذ في الاعتبار الاختبارات والفحوصات النفسية لضمان الدقة والأمان في تقديم المضمون".

لقطة من عرض مسرحية الحبل للمثلة والكاتبة آن ماري والمخرج هشام زين الدين
لقطة من عرض مسرحية الحبل للمثلة والكاتبة آن ماري والمخرج هشام زين الدين


تبقى "الحبل" بتسكين الباء وفتحها في آن واحد أكثر من مجرد عرض مسرحي؛ إنها دعوة للتأمل في الصراعات الداخلية التي يعيشها كل واحد منا، لطالما كنت أتعلم كيف أقول "لا"، لكن هذه التجربة كانت أكثر من درس نظري. اليوم، بعد أن عشت "الحبل" مع آن-ماري ومع كل مشهد، تعلمت حقاً كيف أقول "لا" لكل ما يثقلني ويقيد حريتي، وكيف أميّز بين الطاعة والانعطاف الحقيقي نحو نفسي. هذه المسرحية لم تكن مجرد عرض، بل كانت مرآة دفعتني لأواجه نفسي وأتجاوز قيودي، لتصبح الحرية، ولو للحظة، ممكنة.
العلامات الدالة

الأكثر قراءة

النهار بيديا 9/21/2026 11:05:00 AM
نعى الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم شقيقه الشيخ أحمد بن راشد آل مكتوم، الذي تُوفي صباح اليوم الاثنين، مستذكراً إياه بالدعاء، فيما كان الراحل شخصية بارزة في المجالات الأمنية والرياضية والاقتصادية في دبي، وشغل منصب نائب رئيس شرطة دبي والأمن العام وترأس نادي الوصل.
شمال إفريقيا 9/24/2026 7:22:00 AM
يحتفظ الملك بصلاحيات واسعة في تحديد التوجّهات السياسية وملفات الدفاع والشؤون الخارجية.
لبنان 9/23/2026 8:25:00 AM
المتّهم اعترف بارتكابه هذا الفعل، فيما تستمر التحقيقات بإشراف القضاء المختص لكشف كامل الملابسات والدوافع.
سياسة 9/23/2026 5:45:00 AM

يُضرب موعد مع الإضرابات والتحركات المطلبية الأسبوع المقبل، مع رصد الاجتماعات العمالية هذا الأسبوع لتحديد خريطة الاعتراض الشعبي على موجة الغلاء. فمن يتحرك؟ وما مدى الاستجابة للمطالب؟