بعد انهيار الليرة... هل يخسر لبنان السيادة على الدولار أيضاً؟

منبر 03-11-2026 | 15:41

بعد انهيار الليرة... هل يخسر لبنان السيادة على الدولار أيضاً؟

الدولرة التي عرفها لبنان لعقود ارتبطت باستخدام الدولار في التسعير والادخار والتبادل.
بعد انهيار الليرة... هل يخسر لبنان السيادة على الدولار أيضاً؟
حذّر صندوق النقد من قدرة العملات المستقرة على تسريع الدولرة في الاقتصادات الناشئة (أ ف ب)
Smaller Bigger

د. جيسيكا ابو مراد

 

لم يعد السؤال النقدي الأكثر إلحاحاً في لبنان مقتصراً على مستقبل الليرة، بل بات يتجاوز ذلك إلى سؤال أكثر تعقيداً: من سيتحكم بالدولار الذي أصبح محور المعاملات الاقتصادية؟ فبينما ينشغل اللبنانيون بأزمة الودائع وإعادة هيكلة المصارف، يتشكّل نظام نقدي عالمي جديد قد يعيد تعريف مفهوم السيادة النقدية، ويضع الاقتصادات المدولرة أمام تحديات تتجاوز حدود السياسة النقدية التقليدية.

 

فالدولرة التي عرفها لبنان لعقود ارتبطت باستخدام الدولار في التسعير والادخار والتبادل. أما اليوم، فيضيف التحول الرقمي بُعداً جديداً إلى هذه الظاهرة، إذ لم تعد المسألة تتعلق بالعملة المستخدمة فحسب، بل بالجهة التي تصدرها، والشبكة التي تنقلها، والقواعد القانونية التي تحكم استرداد قيمتها.

 

 

 (تعبيرية) العملات المستقرة قد تسهّل المدفوعات تكلفتها
(تعبيرية) العملات المستقرة قد تسهّل المدفوعات تكلفتها

 

فالعملات المستقرة المرتبطة بالدولار، مثل USDT وUSDC، تتيح تحويل الأموال رقمياً بسرعة، لكنها ليست دولارات يصدرها الاحتياطي الفيدرالي الأميركي، بل أدوات مالية تصدرها جهات خاصة، وتعتمد قيمتها على الاحتياطيات وآليات الاسترداد والثقة بالجهة المصدرة. وتاليا، فإن امتلاك مئة دولار نقداً لا يعادل بالضرورة امتلاك مئة وحدة رقمية يُفترض أن تساوي المبلغ نفسه، خصوصاً في أوقات الاضطرابات المالية.

 

وهنا تكمن المفارقة: قد يصبح الوصول إلى الدولار أسهل، بينما تتراجع قدرة السلطات المحلية على تنظيم القنوات التي يتحرك عبرها. فالانتقال إلى منصات رقمية أجنبية قد ينقل جزءاً من السيطرة على المدفوعات والسيولة والمعلومات المالية إلى مؤسسات خارج الحدود، ما يطرح تساؤلات جوهرية حول مستقبل السيادة النقدية في اقتصاد يعاني أصلاً تراجع الثقة بمؤسساته المالية.

 

اقتصادياً، لا تعني كفاءة التحويلات بالضرورة تحسّن تمويل الاستثمار. فالعملات المستقرة قد تسهّل المدفوعات وتخفّض تكلفتها، لكنها لا تؤدي تلقائياً وظيفة المصارف في توفير القروض للشركات والمشاريع الإنتاجية. وإذا انتقلت موارد مصرفية قابلة للإقراض إلى عملات مستقرة تُحتفظ باحتياطياتها في أصول أجنبية، فقد تتقلص مصادر التمويل المحلي. غير أن هذا التأثير ليس حتمياً، خصوصاً إذا حلّت العملات المستقرة محل الدولار النقدي المتداول خارج المصارف.

 

وهنا يظهر التحدي الاقتصادي الحقيقي: قد يصبح نقل الأموال أسرع، فيما تبقى قدرة الاقتصاد على تحويلها إلى استثمارات منتجة أكثر محدودية.

 

وقد حذّر صندوق النقد الدولي عام 2026 من قدرة العملات المستقرة على تسريع الدولرة في الاقتصادات الناشئة، وما قد يرافق ذلك من مخاطر على الاستقرار المالي وفاعلية السياسات النقدية. وتزداد أهمية هذه التحذيرات بالنسبة إلى لبنان، حيث قد يتداخل ضعف الوساطة المصرفية مع الاعتماد المتنامي المحتمل على أدوات دفع تصدرها مؤسسات أجنبية.

 

لذلك، يحتاج لبنان إلى إطار تنظيمي استباقي يوازن بين الاستفادة من الابتكار المالي وحماية الاستقرار النقدي، من خلال تعزيز الرقابة على خدمات الدفع، وحماية حقوق المستخدمين، وتطوير البنية التحتية المالية المحلية، بالتوازي مع استعادة دور المصارف في تمويل الاقتصاد الحقيقي.

 

إن أخطر ما قد يواجهه لبنان ليس أن يفقد عملته الوطنية فحسب، بل أن يفقد تدريجياً قدرته على التأثير في النظام الذي تُدار من خلاله أمواله. فالانتقال من الدولار الورقي إلى الدولار الرقمي لا يعني بالضرورة انتقالاً نحو سيادة نقدية أكبر، بل قد يستبدل تبعية نقدية بأخرى أكثر تعقيداً وأقل وضوحاً.

 

لقد دفع اللبنانيون ثمناً باهظاً حين اكتشفوا أن الدولار المودع في المصارف ليس بالضرورة دولاراً متاحاً للسحب. فهل يستعدون اليوم لمرحلة يصبح فيها الدولار على الشاشة خاضعاً لقرارات مؤسسات لا يملكون التأثير فيها؟

 

فالأزمة المقبلة قد لا تكون في قيمة الدولار الذي نملكه، بل في قدرتنا على التصرف به. وعندها، لن يكون السؤال كم دولاراً يملك اللبناني، بل من يملك القرار بشأن دولاراته؟

الأكثر قراءة

فن ومشاهير 11/2/2026 11:33:00 AM
اشتعلت أزمة إلهام شاهين ومرتضى منصور إثر تصريحاته القاسية ضدها على خلفية مهرجان الجونة السينمائي، لترد النجمة بحسم على لجان "السوشال ميديا" والمنتقدين.