استراتيجية الذكاء الاصطناعي في لبنان: طموح واقعي؟

منبر 14-10-2026 | 09:38

استراتيجية الذكاء الاصطناعي في لبنان: طموح واقعي؟

تمنح الاستراتيجية الاغتراب اللبناني دورًا محوريًا في استقطاب الاستثمارات وفتح الأسواق وتوفير الخبرات والعلاقات التجارية، مستندة إلى تقدير يبلغ نحو 15 مليون لبناني في الخارج.
استراتيجية الذكاء الاصطناعي في لبنان: طموح واقعي؟
غلاف وثيقة استراتيجية الذكاء الاصطناعي في لبنان
Smaller Bigger

 جبران الخوري* 

 

تطرح وثيقة "The Next Republic is Digital: Lebanon’s National Artificial Intelligence Strategy 2032" رؤية طموحة لتوظيف الذكاء الاصطناعي في الاقتصاد والإدارة العامة، مع التركيز على تطوير التطبيقات والافادة من التقنيات العالمية بدلًا من منافسة الشركات الكبرى في تصنيع الرقائق وتطوير النماذج الأساسية. غير أن تقييم هذه الاستراتيجية يجب أن يشمل مدى انسجامها مع الواقع البنيوي والمالي والمؤسساتي للبنان، وقابلية تنفيذها ضمن جدول زمني واقعي، وقدرتها على تحقيق قيمة اقتصادية مستدامة.

 

 ترتيب الأولويات 

 

 

تتمثل إحدى أبرز نقاط الضعف في هذه الاستراتجية في ترتيب الأولويات. فالاستراتيجية مثلًا تقرّ بأن الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات والخدمات الرقمية تحتاج إلى كهرباء موثوقة، لكنها تتضمن، ضمن أهداف السنة الأولى، استخدام التحليلات للكشف عن الهدر في مناطق تجريبية من شبكة مؤسسة كهرباء لبنان، بالتوازي مع التوسع في الخدمات الرقمية! 

إن معالجة الهدر خطوة ضرورية، لكنها لا تعادل تأمين بنية تحتية قادرة على استيعاب اقتصاد رقمي متقدم. فنجاح هذه الرؤية يتطلب خطة متكاملة للكهرباء والاتصالات والألياف الضوئية والحوسبة السحابية ومراكز البيانات والأمن السيبراني، إلى جانب قواعد بيانات دقيقة ومترابطة وإدارة عامة قادرة على التنفيذ. 

من دون تحديد الحد الأدنى من الجاهزية للاقتصاد الرقمي وكلفته، ومصادر تمويله، ومواعيد إنجازه، يصبح التوسع الرقمي سابقًا لشروطه الأساسية.

 

 الأسس المعتمدة للأهداف الاقتصادية 

 

تثير الأهداف الاقتصادية بدورها تساؤلات منهجية بشأن الأساس الذي تستند إليه. فالاستراتيجية تستهدف رفع مساهمة الذكاء الاصطناعي في الاقتصاد من 150 مليون دولار إلى أربعة مليارات دولار خلال خمس سنوات، وزيادة الصادرات المدعومة به من 100 مليون إلى ملياري دولار، فضلًا عن رفع عدد المؤسسات الصغيرة والمتوسطة التي تستخدمه فعليًا من خمسة آلاف إلى ثمانين ألفًا! هذه الأرقام تعني مضاعفة المساهمة الاقتصادية نحو 26.7 مرة، والصادرات 20 مرة خلال فترة محدودة، في ظل القيود المالية والاستثمارية التي يعانيها لبنان. 

 

لا يكفي إعلان هذه الأهداف لإثبات واقعيتها. إذ ينبغي تحديد منهجية احتساب القيمة المضافة، والفصل بين النشاط الاقتصادي الجديد وإعادة تصنيف خدمات قائمة، وتقدير الاستثمارات اللازمة والإنتاجية المتوقعة والطلب الخارجي. يستلزم ذلك وضع سيناريوهات متحفظة ومتوسطة ومتفائلة، وخطوط أساس قابلة للتحقق، ومؤشرات تقيس النتائج الفعلية بدلًا من الاكتفاء بالأرقام المستهدفة.

 

 تداخل الصلاحيات 

 

يبرز تحدٍ آخر في الهيكل المؤسسي المقترح، الذي يتضمن محركًا تنفيذيًا للذكاء الاصطناعي (LEDAIA)، ومجلسًا وطنيًا، ووظائف مستقلة للأمن السيبراني والتقييم وإدارة البرامج والرقابة. إن إنشاء هذه الهياكل لا يضمن تسريع التنفيذ أو تعزيز المساءلة، بل قد يؤدي إلى تداخل الصلاحيات وتعدد مستويات القرار وتوزع المسؤولية. في دولة تعاني ضعف التنسيق الإداري ومحدودية الموارد، ينبغي إعطاء الأولوية لإصلاح المؤسسات القائمة وتحديد مسؤولياتها والفصل بين وضع السياسات والتنفيذ والتنظيم والرقابة، قبل استحداث هيئات جديدة. الذكاء الاصطناعي هو تقنية أفقية تخدم مختلف القطاعات، ولا يستلزم بطبيعته إنشاء وزارة مستقلة أو جهاز إداري موازٍ.

 

 الاغتراب اللبناني 

 

كذلك، تمنح الاستراتيجية الاغتراب اللبناني دورًا محوريًا في استقطاب الاستثمارات وفتح الأسواق وتوفير الخبرات والعلاقات التجارية، مستندة إلى تقدير يبلغ نحو 15 مليون لبناني في الخارج. لكن الانتشار الاغترابي يمثل رصيدًا محتملًا، لا التزامًا استثماريًا مضمونًا. فتحويل العلاقات المهنية إلى عقود وصادرات واستثمارات يحتاج إلى بيئة أعمال مستقرة، وقضاء فعال، وحماية للملكية والاستثمارات، وقواعد واضحة لتحويل الأموال وحوافز مدروسة. 

كما أن استهداف صندوق وطني بقيمة 150 مليون دولار واستقطاب أكثر من 500 مليون دولار من الاستثمارات الخاصة والاغترابية لا يثبت توافر التمويل. يتطلب الأمر تحديد مساهمات الدولة والقطاع الخاص، وآليات اختيار المشاريع، وضوابط تضارب المصالح، ومعايير قياس العائد الاقتصادي.

 

 تبعية استراتجية؟ 

 

التركيز على طبقة التطبيقات، مع الاعتماد على مزودي الحوسبة السحابية والنماذج العالمية، يمكن أن يكون خيارًا اقتصاديًا عقلانيًا، إذ لا يُشترط أن تنتج كل دولة رقائقها أو تطور نماذج تنافس الشركات العالمية. لكن الكفاءة المالية لا ينبغي أن تتحول إلى تبعية استراتيجية. فالاعتماد على واجهات برمجية تجارية قد يعرّض الخدمات العامة لتغير الأسعار وشروط الاستخدام والقيود الجغرافية والعقوبات وانقطاع الخدمة. لذلك، تتطلب السيادة الرقمية السيطرة على البيانات الحساسة، وتعدد المزودين، وقابلية نقل الأنظمة، واعتماد المعايير المفتوحة، والاحتفاظ بقدرات محلية لتشغيل النماذج المناسبة وتطوير التطبيقات وتقييمها، فضلًا عن خطط لاستمرارية الخدمات عند تعذر الوصول إلى مزود خارجي.

 

 إصلاح الإدارة العامة

 

لا تقل أهمية إصلاح الإدارة العامة عن البنية التحتية. فرَقمنة المعاملة لا تعني بالضرورة تبسيطها، وإدخال الذكاء الاصطناعي لا يضمن صحة القرار أو عدالته. ينبغي التمييز بين تحويل الإجراءات الورقية إلى إلكترونية، وإعادة هندسة العمليات الإدارية، واستخدام النماذج الذكية في حالات محددة. ويتطلب ذلك تنقية السجلات وتوحيد البيانات وتحديد المسؤولية عن دقتها، ووضع آليات للاعتراض على القرارات الآلية، وإطار قانوني لحماية الخصوصية وتحديد المسؤولية عن الأضرار، ولا سيما في الاستخدامات التي تمس الحقوق الاجتماعية أو المالية أو الأمنية. كما يجب ألا يؤدي تسريع التنفيذ إلى تجاوز قواعد المشتريات العامة أو الرقابة أو المساءلة.

في مجال التعليم والاقتصاد، لا يكفي قياس النجاح بأعداد المتدربين أو مستخدمي الأدوات. فتدريب مليون شخص وتمكين خمسة عشر ألفًا من بناء تطبيقات بمستوى إنتاجي، وفق أهداف الوثيقة، يحتاجان إلى تمييز بين الاستخدام الأساسي للأدوات وبين تطوير المهارات الهندسية والبحث التطبيقي وإنتاج المعرفة. ويتطلب بناء صناعة محلية الاستثمار في الجامعات وعلوم الحوسبة وهندسة البيانات والأمن السيبراني، وربط البحث العلمي باحتياجات الاقتصاد، وتوفير فرص عمل للخريجين. كما ينبغي مراعاة الفجوة الرقمية بين المؤسسات الكبرى والصغيرة، وبين المناطق والفئات الاجتماعية، بحيث لا تقتصر الاستفادة على القادرين على تحمل كلفة التدريب والاشتراكات والبنية التحتية.

 

 

تطرح استراتيجية الذكاء الاصطناعي في لبنان رؤية طموحة لتوظيفها في الاقتصاد والإدارة العامة (تعبيرية)
تطرح استراتيجية الذكاء الاصطناعي في لبنان رؤية طموحة لتوظيفها في الاقتصاد والإدارة العامة (تعبيرية)

 

 

 إعلان لبنان AI Ready 

 

أخيرًا، لا تثبت مؤشرات مثل عدد المستخدمين أو الخدمات الحكومية المدعومة بالذكاء الاصطناعي تحقق أثر اقتصادي أو اجتماعي حقيقي. ينبغي قياس الإنتاجية والقيمة المضافة وجودة الخدمات وتكلفتها ومعدلات الأخطاء وحوادث الأمن السيبراني، ونشر خطوط الأساس والمنهجيات ومصادر البيانات، مع إخضاع النتائج لتقييم مستقل.

إن اعتماد الاستراتيجية ينبغي أن يرتبط بدراسة جدوى اقتصادية منشورة، وخطة جاهزية وطنية، ومراجعة للهيكل المؤسساتي، وإطار للسيادة الرقمية، ومشاريع تجريبية تُقيّم نتائجها قبل التوسع. 

لبنان لا يحتاج إلى إعلان نفسه جمهورية للذكاء الاصطناعي قبل بناء دولة رقمية فعالة. الأولوية هي تأمين الكهرباء والاتصالات والبيانات السليمة والإدارة الخاضعة للمحاسبة، ثم توظيف الذكاء الاصطناعي لتعزيز الإنتاجية وتحسين الخدمات. فالذكاء الاصطناعي أداة للإصلاح، وليس بديلًا عنه أو مبررًا لإضافة طبقات جديدة من البيروقراطية.

*خبير في إدارة الاتصالات

الأكثر قراءة

الخليج العربي 10/13/2026 6:00:00 AM
بعد الهجمات على مطار الرياض، تواجه السعودية معادلة صعبة: كيف توقف صواريخ الحوثيين من دون الانجرار إلى حرب جديدة؟ وأيّ الخيارات الأربعة يتيح لها قلب المعادلة؟
دوليات 10/13/2026 3:08:00 PM
أعاد تقرير بريطاني تداول تنبؤات منسوبة إلى بابا فانغا عن حرب عالمية وتغيّر القيادة الروسية في 2026
لبنان 10/13/2026 12:02:00 PM
أقرّ الضمان الاجتماعي زيادة تعرفة معاينات الأطباء في العيادات الخاصة للمرة الخامسة منذ حزيران/يونيو 2023، ودعا الأطباء إلى الالتزام بالأسعار الجديدة لتخفيف الأعباء عن المضمونين.
لبنان 10/14/2026 8:23:00 AM
استنكرت الخارجية الأميركية إحالة شكوى ضد ندى حمادة معوض إلى القضاء العسكري، معتبرة أنها تُستهدف لتنفيذها سياسة حكومتها والمشاركة في مفاوضات تقودها واشنطن.