الخريطة ليست الواقع

منبر 16-09-2026 | 11:18

الخريطة ليست الواقع

كم من الأشخاص يدخلون حياتنا من دون أن ندرك، في لحظتهم الأولى، أي مساحة سيشغلونها في ذاكرتنا لاحقاً؟ منهم من يمرّ كحادثة عابرة، ومنهم من يتحول، مع الوقت، إلى جزء من نسيج حياتنا نراكم معه المواقف، ونبني الثقة، ونصنع لغة خاصة من الفهم والاعتياد والذكريات.
الخريطة ليست الواقع
تعبيرية
Smaller Bigger

ملاك وجيه شميطلي

 

 

 

كم من الأشخاص يدخلون حياتنا من دون أن ندرك، في لحظتهم الأولى، أي مساحة سيشغلونها في ذاكرتنا لاحقاً؟ منهم من يمرّ كحادثة عابرة، ومنهم من يتحول، مع الوقت، إلى جزء من نسيج حياتنا نراكم معه المواقف، ونبني الثقة، ونصنع لغة خاصة من الفهم والاعتياد والذكريات. 
فالإنسان لا يُعرَف من حضوره الأول، ولا من صورته التي يقدمها عن نفسه، وإنما من المسافة التي يقطعها معنا، ومن التفاصيل التي تكشفه حين تختبره الحياة. نحن، في علاقاتنا الإنسانية، لا نتعامل مع الأشخاص كما نتعامل مع الغرباء في الشارع، فهناك دائماً سياق سابق، وتاريخ، وذاكرة، ورصيد من المواقف التي تدخل في تشكيل حكمنا عليهم. 
لذلك، قد نعذر شخصاً نعرفه منذ سنوات عن موقف لم يكن موفقاً، أو نتجاوز عنه سوء فهم عابراً، لأننا لا نقرأ اللحظة بمعزل عن السنوات التي سبقتها. نعرف خلفيته، نعرف طباعه، نعرف ما قدمه، ونعرف كم مرة كان حاضراً حين غاب الآخرون. لدينا معه ما يشبه رصيداً إنسانياً من المحبة والثقة والوقوف إلى جانبنا، وهذا الرصيد لا يسقط بالضرورة أمام عثرة واحدة. لكن الأمر يختلف حين يكون الشخص جديداً
في حياتنا. هناك، لا تزال الصورة قيد التشكّل، ولا تزال المواقف هي اللغة الأكثر وضوحاً. فالكلمات تستطيع أن تقدم احتمالات، أما المواقف فتقدم أدلة. وقد يكون موقف صغير كافياً لأن يجعلنا نتساءل: هل ما أراه مجرد سوء فهم؟ أم أنه جزء من شخصية لم أكن قد رأيتها بعد؟ وهنا تحديداً تظهر قيمة الوعي في العلاقات. فالوعي لا يعني أن نشك في كل من يقترب منا، كما لا يعني أن ندخل العلاقات بأعين مغمضة. الوعي هو أن نمنح الإنسان فرصة لأن يُعرّف عن نفسه من خلال الوقت والمواقف، وأن نعرف في الوقت نفسه متى يكون التسامح نضجاً، ومتى يصبح تجاهل الإشارات نوعاً من إنكار الحقيقة. 
أحياناً، قد يسقط من الإنسان تصرف غير مقصود، كلمة في غير مكانها، أو ردّ فعل لم يكن محسوباً. وهذا لا يعني بالضرورة سقوط العلاقة أو سقوط الثقة. لكن ما يحدد معنى الموقف هو ما يأتي بعده: هل هناك اعتراف؟ هل هناك قدرة على التواصل؟ هل هناك محاولة للفهم والإصلاح؟ أم أن الموقف يتكرر حتى يتحول من استثناء إلى نمط؟ لأن الإنسان لا يُختصر بخطأ، كما أنه لا يُعفى من مسؤوليته لأننا نحبه. وفي المقابل، لا يجوز أن نمحو تاريخاً كاملًا من المحبة والوقوف والصدق بسبب لحظة واحدة قابلة للفهم والتصحيح.
 العلاقات الناضجة تعرف كيف تضع الموقف في مكانه الصحيح لا تضخّمه حتى يصبح حكماً نهائياً، ولا تصغّره حتى تفقد القدرة على رؤية ما يكشفه. وربما لهذا السبب، تصبح المواقف في العلاقات الإنسانية أشبه بالمرايا: لا تصنع الحقيقة، لكنها تكشفها. ومن خلالها نكتشف من يملك القدرة على الاحتواء، ومن يحسن احترام مخاوف الآخر، ومن يستطيع أن يكون ثابتاً عندما تصبح العلاقة أكثر عمقاً، ومن كان حضوره قائماً على الصورة لا على الجوهر. فالثقة لا تُمنح لأن شخصاً قال إنه يستحقها، ولا الحب يُبنى على الانطباع وحده كلاهما نتيجة تراكم طويل من التفاصيل. موقف بعد موقف، كلمة بعد كلمة، حضور بعد حضور. ومع الوقت، تتكوّن لدينا خريطة عن الإنسان. لكن علينا ألا ننسى أن الخريطة ليست الواقع إنها فقط الطريقة التي فهمنا بها الواقع حتى تلك اللحظة. وقد تأتي تجربة واحدة لتكشف لنا أن شخصاً ظنناه مختلفاً هو بالفعل مختلف، أو أن خوفاً قديماً أسقطناه على شخص جديد لم يكن يشبه من سبقوه أصلًا. 
لذلك، ربما أكثر ما تحتاجه العلاقات الإنسانية ليس مزيداً من التوقعات، بل مزيداً من الوعي أن نعرف من نُدخل إلى حياتنا، وأن نمنح الوقت والمواقف فرصة للكشف، وأن نترك للإنسان مساحة لأن يثبت نفسه بالفعل لا بالادعاء. فالأشخاص الذين نختار قربهم ليسوا تفاصيل عابرة في حياتنا إنهم، بطريقة أو بأخرى، يشاركون في تشكيلها. ومعهم قد تتسع مساحة الأمان، وقد تتعلم الثقة من جديد، وقد تتأكد مخاوف قديمة، وقد تُخلق ذكريات تبقى معنا سنوات. وفي النهاية، لا تكمن الحكمة في أن نثق بالجميع، ولا في أن نخاف من الجميع، بل في أن نعرف مَن يستحق أن نقترب منه، ومَن يستحق أن نعطيه الوقت، ومَن تكشف لنا المواقف أن مكانه الحقيقي يجب أن يبقى بعيداً من دوائرنا الأقرب.

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

النهار بيديا 9/21/2026 11:05:00 AM
نعى الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم شقيقه الشيخ أحمد بن راشد آل مكتوم، الذي تُوفي صباح اليوم الاثنين، مستذكراً إياه بالدعاء، فيما كان الراحل شخصية بارزة في المجالات الأمنية والرياضية والاقتصادية في دبي، وشغل منصب نائب رئيس شرطة دبي والأمن العام وترأس نادي الوصل.
شمال إفريقيا 9/24/2026 7:22:00 AM
يحتفظ الملك بصلاحيات واسعة في تحديد التوجّهات السياسية وملفات الدفاع والشؤون الخارجية.
لبنان 9/23/2026 8:25:00 AM
المتّهم اعترف بارتكابه هذا الفعل، فيما تستمر التحقيقات بإشراف القضاء المختص لكشف كامل الملابسات والدوافع.
سياسة 9/23/2026 5:45:00 AM

يُضرب موعد مع الإضرابات والتحركات المطلبية الأسبوع المقبل، مع رصد الاجتماعات العمالية هذا الأسبوع لتحديد خريطة الاعتراض الشعبي على موجة الغلاء. فمن يتحرك؟ وما مدى الاستجابة للمطالب؟