منبر
27-08-2026 | 09:37
لماذا نعشق غياب من نحب؟
طالما نشأنا على ثقافة تمجد الحرمان، وتعتبر العذاب واللوعة الدليل الأسمى على صدق العاطفة ونقائها.
تعبيرية
إلياس عيسى إلياس
طالما نشأنا على ثقافة تمجد الحرمان، وتعتبر العذاب واللوعة الدليل الأسمى على صدق العاطفة ونقائها.
لكنني، كلما تأملت حكاية قيس بن الملوح وتوقفت عند أبياته المتألمة، يتملكني سؤال مربك يرفض أن يغادرني: هل كان قيس عاشقاً ليلى حقاً، أم كان مفتوناً بالصورة المثالية التي صنعها عنها وعن نفسه في هذه المأساة؟
حين نعود إلى ما قدمه المفكر صادق جلال العظم في كتابه "في الحب والحب العذري"، لا نجد مجرد قراءة نقدية للتاريخ، بل نكتشف مرآة نتأمل فيها سلوكنا العاطفي اليوم.
فبعيداً عن أسطرة العشاق، يفتح العظم الباب لنرى كيف يتحول الحب أحياناً من علاقة صادقة بالآخر، إلى علاقة بالذات عبر هذا الآخر. فيصير الألم والمعاناة هوية كاملة يرتديها العاشق ليصنع بها معناه الخاص، بدلاً من أن يكون مجرد نتيجة للفراق.
تضعنا قراءة هذا السلوك العذري أمام مفارقة وجدانية تدعونا لإعادة النظر في القصة كلها: هل كان إعلان الحب الجارف والتغزل بليلى على الملأ محاولة صادقة للوصول إليها؟ أم أنه كان مساهمة غير واعية في تحويل العلاقة إلى حب مستحيل وفق أعراف المجتمع آنذاك؟
إن المجاهرة بالحب في بيئة ممتنعة لم تكن مجرد تعبير عن الشغف؛ كانت بالقدر نفسه خطوة تحسم النتيجة سلفاً وتغلق أبواب الوصال الملموس، لتبقى القصيدة حية بدلاً من أن تموت بالتفاصيل اليومية للزواج.
إن هذا التحليل يوضح كيف يهرب الإنسان أحياناً من إمكانية اللقاء الفعلي. فالوصال والعيش المشترك يفرضان الاستقرار والدخول في الالتزامات اليومية.
وهذه التفاصيل كفيلة بكشف هشاشة الشحنة العاطفية التي كان البُعد وحده يغذيها ويمنحها اتساعها المطلق. وهكذا تغدو المعاناة المستمرة وسيلة مريحة لإبقاء نار الشغف مشتعلة في المخيلة، ولإبقاء العاشق مركزاً على مأساته الذاتية، دون أن يضطر لمواجهة المحبوب في واقعيته وعيوبه الطبيعية.
وهذا النزوع ليس سلوكاً انقضى باختفاء بني عذرة، بل هو ميل بشري يتجدد اليوم بوضوح في ثقافتنا الرقمية.
نراه في افتتاننا بتلك العلاقات السريعة عبر الشاشات؛ حيث ننتظر رسالة من أحدهم بشغف هائل، ونغرق في كتابة قصص ومشاعر خيالية عن شخص لم نتقاسم معه حتى الآن وجبة طعام واحدة أو لحظة صمت في الحقيقة.
نقع في حب الصورة، والنص، وتوهج الشاشة، لأن الافتراق يمنحنا راحة وهمية ويحمي العاطفة من الاحتكاك بالحياة. أما الحضور الفعلي فيضعنا فوراً أمام امتحان التنازل المتبادل والقبول البشري.
إنني لا أكتب هذا بمثابة محاكمة لقيس التاريخي، بل محاولة لفهم «القيس» الذي نعيشه ونحمله في مخيلتنا الجماعية.
لقد علّمنا قيس، من حيث لا يدري، أن الحب قد يعيش طويلاً جداً في البُعد لأنه ببساطة لا يضطر إلى مواجهة الواقع المعاش. فما أسهل أن نعشق الصورة التي نصنعها عن الآخر في عقولنا، وما أصعب أن نحب الإنسان الملموس بكل تقلباته وهشاشته!
المحبوب بلحمه ودمه لا يسكن أروقة القصائد القديمة، ولا يقيم خلف زجاج الشاشات الباردة؛ إنه يخرج من الأسطورة ليجلس أمامي وأمامك بملامحه العادية ونقصه البشري.
وهناك فقط، بعيداً عن أوهام الفراق، يبدأ الاختبار الأخلاقي والإنساني الأصعب: هل نحب هذا الشخص كما هو في الواقع، أم نحب منطقتنا الآمنة في غيابه؟
طالما نشأنا على ثقافة تمجد الحرمان، وتعتبر العذاب واللوعة الدليل الأسمى على صدق العاطفة ونقائها.
لكنني، كلما تأملت حكاية قيس بن الملوح وتوقفت عند أبياته المتألمة، يتملكني سؤال مربك يرفض أن يغادرني: هل كان قيس عاشقاً ليلى حقاً، أم كان مفتوناً بالصورة المثالية التي صنعها عنها وعن نفسه في هذه المأساة؟
حين نعود إلى ما قدمه المفكر صادق جلال العظم في كتابه "في الحب والحب العذري"، لا نجد مجرد قراءة نقدية للتاريخ، بل نكتشف مرآة نتأمل فيها سلوكنا العاطفي اليوم.
فبعيداً عن أسطرة العشاق، يفتح العظم الباب لنرى كيف يتحول الحب أحياناً من علاقة صادقة بالآخر، إلى علاقة بالذات عبر هذا الآخر. فيصير الألم والمعاناة هوية كاملة يرتديها العاشق ليصنع بها معناه الخاص، بدلاً من أن يكون مجرد نتيجة للفراق.
تضعنا قراءة هذا السلوك العذري أمام مفارقة وجدانية تدعونا لإعادة النظر في القصة كلها: هل كان إعلان الحب الجارف والتغزل بليلى على الملأ محاولة صادقة للوصول إليها؟ أم أنه كان مساهمة غير واعية في تحويل العلاقة إلى حب مستحيل وفق أعراف المجتمع آنذاك؟
إن المجاهرة بالحب في بيئة ممتنعة لم تكن مجرد تعبير عن الشغف؛ كانت بالقدر نفسه خطوة تحسم النتيجة سلفاً وتغلق أبواب الوصال الملموس، لتبقى القصيدة حية بدلاً من أن تموت بالتفاصيل اليومية للزواج.
إن هذا التحليل يوضح كيف يهرب الإنسان أحياناً من إمكانية اللقاء الفعلي. فالوصال والعيش المشترك يفرضان الاستقرار والدخول في الالتزامات اليومية.
وهذه التفاصيل كفيلة بكشف هشاشة الشحنة العاطفية التي كان البُعد وحده يغذيها ويمنحها اتساعها المطلق. وهكذا تغدو المعاناة المستمرة وسيلة مريحة لإبقاء نار الشغف مشتعلة في المخيلة، ولإبقاء العاشق مركزاً على مأساته الذاتية، دون أن يضطر لمواجهة المحبوب في واقعيته وعيوبه الطبيعية.
وهذا النزوع ليس سلوكاً انقضى باختفاء بني عذرة، بل هو ميل بشري يتجدد اليوم بوضوح في ثقافتنا الرقمية.
نراه في افتتاننا بتلك العلاقات السريعة عبر الشاشات؛ حيث ننتظر رسالة من أحدهم بشغف هائل، ونغرق في كتابة قصص ومشاعر خيالية عن شخص لم نتقاسم معه حتى الآن وجبة طعام واحدة أو لحظة صمت في الحقيقة.
نقع في حب الصورة، والنص، وتوهج الشاشة، لأن الافتراق يمنحنا راحة وهمية ويحمي العاطفة من الاحتكاك بالحياة. أما الحضور الفعلي فيضعنا فوراً أمام امتحان التنازل المتبادل والقبول البشري.
إنني لا أكتب هذا بمثابة محاكمة لقيس التاريخي، بل محاولة لفهم «القيس» الذي نعيشه ونحمله في مخيلتنا الجماعية.
لقد علّمنا قيس، من حيث لا يدري، أن الحب قد يعيش طويلاً جداً في البُعد لأنه ببساطة لا يضطر إلى مواجهة الواقع المعاش. فما أسهل أن نعشق الصورة التي نصنعها عن الآخر في عقولنا، وما أصعب أن نحب الإنسان الملموس بكل تقلباته وهشاشته!
المحبوب بلحمه ودمه لا يسكن أروقة القصائد القديمة، ولا يقيم خلف زجاج الشاشات الباردة؛ إنه يخرج من الأسطورة ليجلس أمامي وأمامك بملامحه العادية ونقصه البشري.
وهناك فقط، بعيداً عن أوهام الفراق، يبدأ الاختبار الأخلاقي والإنساني الأصعب: هل نحب هذا الشخص كما هو في الواقع، أم نحب منطقتنا الآمنة في غيابه؟
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
النهار بيديا
9/21/2026 11:05:00 AM
نعى الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم شقيقه الشيخ أحمد بن راشد آل مكتوم، الذي تُوفي صباح اليوم الاثنين، مستذكراً إياه بالدعاء، فيما كان الراحل شخصية بارزة في المجالات الأمنية والرياضية والاقتصادية في دبي، وشغل منصب نائب رئيس شرطة دبي والأمن العام وترأس نادي الوصل.
شمال إفريقيا
9/24/2026 7:22:00 AM
يحتفظ الملك بصلاحيات واسعة في تحديد التوجّهات السياسية وملفات الدفاع والشؤون الخارجية.
لبنان
9/23/2026 8:25:00 AM
المتّهم اعترف بارتكابه هذا الفعل، فيما تستمر التحقيقات بإشراف القضاء المختص لكشف كامل الملابسات والدوافع.
سياسة
9/23/2026 5:45:00 AM
يُضرب موعد مع الإضرابات والتحركات المطلبية الأسبوع المقبل، مع رصد الاجتماعات العمالية هذا الأسبوع لتحديد خريطة الاعتراض الشعبي على موجة الغلاء. فمن يتحرك؟ وما مدى الاستجابة للمطالب؟
نبض