تجلّيات الخيال على أجنحة اللون

منبر 10-08-2026 | 09:06

تجلّيات الخيال على أجنحة اللون

ليس الفنُّ التشكيليُّ زينةً عارضةً تُرضي العين ثم تنقضي، ولا لهواً جماليّاً يُقصد به إشباع الحسّ وحده؛ بل هو من أعمق ضروب التعبير الإنساني، وأخصبها قدرةً على استجلاء ما استتر في النفس من هواجس وأشواق، وما انطوى عليه الوجود من أسرارٍ وإيحاءات.
تجلّيات الخيال على أجنحة اللون
تعبيرية
Smaller Bigger

العربي الحميدي – المغرب 

 

 

 

ليس الفنُّ التشكيليُّ زينةً عارضةً تُرضي العين ثم تنقضي، ولا لهواً جماليّاً يُقصد به إشباع الحسّ وحده؛ بل هو من أعمق ضروب التعبير الإنساني، وأخصبها قدرةً على استجلاء ما استتر في النفس من هواجس وأشواق، وما انطوى عليه الوجود من أسرارٍ وإيحاءات. فاللوحة، في حقيقتها، ليست سطحاً تُرصَّع عليه الألوان والأشكال، وإنّما هي فضاءٌ تنعقد فيه صلةٌ خفيّة بين المرئي واللامرئي، وبين الحسّ والفكر، وبين ذاكرة الفنان ومخيّلته، وبين الإنسان والوجود

ومن هذا الأفق يأتي هذا الكتاب، «تجلّيات الخيال على أجنحة اللون»، جامعاً طائفةً من المقالات والدراسات التي تتناول الفن التشكيلي في بعض قضاياه ومفاهيمه وتجلياته، وتتوقف، على وجه الخصوص، عند تجربة الفنان التشكيلي العربي الحميدي، إلى جانب تجارب بعض الفنانين التشكيليين الآخرين، محاولةً النفاذ إلى عوالمهم الإبداعية، واستجلاء المنابع التي رفدت رؤاهم الفنية، والوقوف على الخصائص الجمالية والتعبيرية التي تميّز تجاربهم.
والحديث عن تجربة فنان لا يستقيم بالنظر إلى لوحاته بوصفها أشكالاً مكتفيةً بذاتها؛ فالعمل التشكيلي ثمرةُ مسارٍ طويل من المعايشة والتأمل والانفعال، ومحصلةُ علاقةٍ معقّدة بين الفنان وبيئته وذاكرته وأحلامه وأسئلته. وما اللون إلا أحد مفاتيح هذه العلاقة؛ فقد يكون عند فنانٍ ضياءً، وعند آخرَ حنيناً، وقد يصبح عند ثالثٍ احتجاجاً أو نشيداً أو ذاكرةً تستعيد ما غيّبه الزمن.

في تجربة العربي الحميدي، يحضر اللون لغةً تتجاوز حدود اللفظ، وتستمد قدرتها من طاقتها الإيحائية ومن صلتها بالوجدان والخيال. فهو لا يكتفي بأن يمنح الأشياء هيئتها المرئية، بل يحاول إعادة خلقها، وإخراجها من مألوفها إلى فضاءٍ تتداخل فيه الحقيقة بالمخيّلة، والمشهد بالذكرى، والواقع بالحلم. وهنا تصبح اللوحة ضرباً من إعادة تأويل الأشياء، لا مجرّد محاكاةٍ لها.
إن الخيال، في هذا السياق، ليس نقيضاً للواقع ولا فراراً منه، بل هو قدرةٌ على النفاذ إلى ما وراء ظواهره، وإعادة ترتيب عناصره وفق رؤيةٍ باطنية تستمد مادتها من التجربة الإنسانية. فالفنان لا ينقل الأشياء كما تقع عليها العين فحسب، وإنما كما تستقبلها الروح، وكما تعيد الذاكرة صياغتها، وكما تمنحها المخيّلة من أبعادٍ ودلالات.
ومن ثمّ، فإنّ قراءة أعمال العربي الحميدي لا ينبغي أن تقف عند حدود الوصف الشكلي، أو أن تستنفدها في الحديث عن التقنيات والخامات وتآلف الألوان؛ إذ إنّ القيمة الأعمق للعمل الفني تكمن في تلك المسافة الغامضة التي تفصل بين ما تراه العين وما يستيقظ في الوجدان. هناك، في تلك المنطقة التي لا تستجيب للشرح الكامل، يتولّد الشعر الكامن في اللوحة، وتتكوّن فرادتها، ويبدأ أثرها في المتلقي.
وإذا كانت الدراسات والمقالات التي يضمّها هذا الكتاب تتباين في مناهجها وزوايا نظرها، فإنها تلتقي في سعيها إلى مقاربة الفن من أكثر من باب، والإصغاء إلى لغته التي لا تُختزل في عبارة، ولا تنحصر في تأويل واحد. فالفن العظيم لا يهب نفسه لقارئ واحد، ولا يستنفد معناه في قراءة واحدة؛ بل يظل مفتوحاً على احتمالات شتّى، يتجدّد بتجدّد العيون التي تنظر إليه، وبقدر ما يملك المتلقي من حساسيةٍ ووعيٍ وقدرةٍ على الإنصات
إنّ الكتابة عن الفن ليست ترجمةً للوحة إلى كلمات؛ فاللوحة تحتفظ دائماً بسرّها، وتظلّ فيها منطقةٌ عصيّة على القول، لا تستطيع اللغة، مهما أوتيت من البيان، أن تستولي عليها كاملةً. وإنّما الكتابة النقدية والتأملية محاولةٌ للاقتراب من ذلك السرّ، واستنطاق بعض طبقاته، والكشف عمّا يختبئ خلف الشكل واللون والخط والفضاء.
ولذلك فإنّ هذا الكتاب لا يدّعي أن يضع تجربة العربي الحميدي في إطارٍ نهائي، أو أن يقدّم لها حكماً فاصلاً؛ وإنّما يسعى إلى فتح أبوابها على قراءاتٍ متعددة، وإلى إضاءة جوانب من مسيرتها، بما يسمح للمتلقي بأن يعيد اكتشافها بعينٍ أخرى. فالفنان، حين يضع لمساته الأخيرة على لوحته، لا يغلق بابها، بل يفتحه؛ إذ تنتقل اللوحة من مرسمه إلى ذاكرة الآخرين، وتبدأ حياةً جديدة في أعينهم وتأويلاتهم وانفعالاتهم
وهكذا فإنّ «تجلّيات الخيال على أجنحة اللون» رحلةٌ في تخوم الصورة والذاكرة، وفي عوالم الفن والخيال، وفي تجربة فنان جعل من اللون مادةً للرؤية، ومن اللوحة مجالاً للتأمل والكشف. وهو، في الوقت نفسه، دعوةٌ إلى أن ننظر إلى الفن لا بوصفه زينةً للحياة، بل بوصفه إحدى طرائق الإنسان في فهم ذاته والعالم من حوله، وفي مقاومة النسيان، وحفظ الأثر، واستعادة ما يتوارى خلف الأيام.
فحين يعجز الكلام عن استحضار ما غاب، قد يتكفّل اللون بذلك؛ وحين تضيق العبارة عن حمل ما يفيض به الشعور، تتّسع اللوحة له. وبين اللون والخيال تنشأ تلك اللغة العجيبة التي لا تُقرأ بالكلمات وحدها، وإنّما تُقرأ بالبصر والبصيرة معاً.
ومن هنا، فإنّ صفحات هذا الكتاب ليست حديثاً عن اللون فحسب، بل هي محاولةٌ للإنصات إلى ما يقوله اللون حين يتحوّل إلى ذاكرة، وإلى ما يقوله الخيال حين يجد في الفن جناحين يحلّق بهما فوق حدود الواقع.

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

النهار بيديا 9/21/2026 11:05:00 AM
نعى الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم شقيقه الشيخ أحمد بن راشد آل مكتوم، الذي تُوفي صباح اليوم الاثنين، مستذكراً إياه بالدعاء، فيما كان الراحل شخصية بارزة في المجالات الأمنية والرياضية والاقتصادية في دبي، وشغل منصب نائب رئيس شرطة دبي والأمن العام وترأس نادي الوصل.
شمال إفريقيا 9/24/2026 7:22:00 AM
يحتفظ الملك بصلاحيات واسعة في تحديد التوجّهات السياسية وملفات الدفاع والشؤون الخارجية.
لبنان 9/23/2026 8:25:00 AM
المتّهم اعترف بارتكابه هذا الفعل، فيما تستمر التحقيقات بإشراف القضاء المختص لكشف كامل الملابسات والدوافع.
سياسة 9/23/2026 5:45:00 AM

يُضرب موعد مع الإضرابات والتحركات المطلبية الأسبوع المقبل، مع رصد الاجتماعات العمالية هذا الأسبوع لتحديد خريطة الاعتراض الشعبي على موجة الغلاء. فمن يتحرك؟ وما مدى الاستجابة للمطالب؟