الصدق بصفته شرطاً للكتابة

منبر 11-06-2026 | 10:03

الصدق بصفته شرطاً للكتابة

يركض الزمن بنا بلا هوادة، حتى صرنا نشعر أن اختصار الوقت ضرورة وليس ترفاً. وفي هذا العالم الذي تحكمه السرعة والإنتاجيّة، تعيش بيننا آلة فعّالة إسمها الذكاء الاصطناعي.
الصدق بصفته شرطاً للكتابة
تعبيرية
Smaller Bigger

روى بوحمدان

 

 

يركض الزمن بنا بلا هوادة، حتى صرنا نشعر أن اختصار الوقت ضرورة وليس ترفاً. وفي هذا العالم الذي تحكمه السرعة والإنتاجيّة، تعيش بيننا آلة فعّالة إسمها الذكاء الاصطناعي. بإمكان هذه الآلة أن تكتب لنا مقالة، أو كتاباً أو قصيدة أو حتى أن تقلّد أسلوب كاتب بعينه، بإمكانها حتى أن تكتب بسرعة وجماليّة وأن تنتج نصوصاً متماسكة تفوق قدرة الكتّاب الحقيقيين.
ولكن هناك سؤال بسيط يجب أن نسأله، ويمكننا من خلاله أن نعيد اكتشاف المسافة بين الآلة والإنسان، وهو: هل تعرف الآلة لماذا تكتب؟
ليست الكتابة مهارة لغويّة فحسب، إنما هي فعل إنساني عميق، ينبع من حاجة في الإنسان لا من قدرة فقط. هذه الحاجة هي الحكاية، نحن نكتب لأن في داخلنا فوضى تبحث عن شكل، وألماً يبحث عن اسم، وحنيناً يبحث عن مأوى. نكتب لأننا نتألم، لأننا نخاف، لأننا نشتاق لأشخاص رحلوا عنّا، نكتب لنكتشف نسخاً جديدة من أنفسنا أو نتذكّر نسخاً قديمة منها. نكتب شكوكنا وهشاشتنا وأسئلتنا التي نبحث لها عن أجوبة، بينما لا يحمل الذكاء الاصطناعي جرحاً أو ندماً أو حزناً. هو يعرف كلّ شيء إلّا معنى أن يفقد شيئاً. قد يصف لنا الحزن لكنه لن يحزن، قد يكتب عن الفراق لكنه لا ينتظر أحداً، يعرف جيداً كيف يصف الموت لكنه لا يخشع أمامه، هذه هي طبيعته.
أمّا الكاتب الحقيقي، فلا يكتب فقط لينتج نصّاً، بل يكتب لأنه يعيد إنتاج نفسه أثناء الكتابة. يشعر بلذة الاكتشاف، بنوع من السلطة على القلم والورقة والكلمات. يعتريه الكبرياء حين يحوّل ألماً أو فكرة مبعثرة إلى كلمات تُلمس. من هنا يبرز سؤال مهم: لماذا نكتب؟ هل نكتب لنثبت براعتنا أمام الآخرين، ونعرض عضلاتنا اللغوية؟ أم نكتب لنداوي ذواتنا وننجو؟ هذه الأسئلة لا تعرفها الآلة ولا يجيب عنها كل من يكتب أيضاً، بل فقط من يملك شجاعة الصدق مع نفسه.
الصدق هو النفَس الذي يبقي النص حيّاً. فالنص الذي لا يقف خلفه قلب يخفق، أو خيبة أو دهشة ما، يبقى برأيي نصاً بلا روح مهما أتقن، لأن روح النص تتجلّى في ذلك الإرتعاش الخفي الذي يولد من تجربةٍ بشرية حقيقية. والكاتب الحقيقي وحده مدمن على تلك الحالة الشعورية، حالة الامتلاء والنشوة والإحساس بأنه خلق من جوفه ما يخصّه وحده. وعندما لا يصل إلى تلك اللذة، حين تصبح الكتابة مجرّد كبسة زر، يفقد السبب الذي يجعله يكتب أصلاً، وينسحب مع الوقت من ساحةٍ لن يبقى فيها في النهاية إلّا من كان صادقاً. لهذا سيظلّ الكاتب الحقيقي يعود إلى قلمه الخاص ونفَسه الخاص لأن المسألة لم تكن يوماً مسألة استعراض بل مسألة نجاة، والإنسان لا ينجو إلّا بنصّ خرج من لحمه ودمه.

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

النهار بيديا 9/21/2026 11:05:00 AM
نعى الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم شقيقه الشيخ أحمد بن راشد آل مكتوم، الذي تُوفي صباح اليوم الاثنين، مستذكراً إياه بالدعاء، فيما كان الراحل شخصية بارزة في المجالات الأمنية والرياضية والاقتصادية في دبي، وشغل منصب نائب رئيس شرطة دبي والأمن العام وترأس نادي الوصل.
شمال إفريقيا 9/24/2026 7:22:00 AM
يحتفظ الملك بصلاحيات واسعة في تحديد التوجّهات السياسية وملفات الدفاع والشؤون الخارجية.
لبنان 9/23/2026 8:25:00 AM
المتّهم اعترف بارتكابه هذا الفعل، فيما تستمر التحقيقات بإشراف القضاء المختص لكشف كامل الملابسات والدوافع.
سياسة 9/23/2026 5:45:00 AM

يُضرب موعد مع الإضرابات والتحركات المطلبية الأسبوع المقبل، مع رصد الاجتماعات العمالية هذا الأسبوع لتحديد خريطة الاعتراض الشعبي على موجة الغلاء. فمن يتحرك؟ وما مدى الاستجابة للمطالب؟