البطريرك الحويك: قداسة "لبنان-الرسالة" في مهبّ الرياح العاتية

منبر 18-05-2026 | 13:39

البطريرك الحويك: قداسة "لبنان-الرسالة" في مهبّ الرياح العاتية

في السابع عشر من أيار الحالي، حين يصدر الفاتيكان مرسوم تطويب البطريرك إلياس الحويك، لن نكون أمام طقس كنسي معزول
البطريرك الحويك: قداسة "لبنان-الرسالة" في مهبّ الرياح العاتية
البطريرك الياس الحويك
Smaller Bigger

​ إلياس عيسى إلياس 

 

 

في السابع عشر من أيار الحالي، حين يصدر الفاتيكان مرسوم تطويب البطريرك إلياس الحويك، لن نكون أمام طقس كنسي معزول، بل أمام استعادةٍ لجوهر التجربة اللبنانية في لحظة تهاويها. الحويك لا يُرفع اليوم على المذابح بصفته رمزاً طائفياً، بل بصفته "مهندس الهوية" الذي صاغ، في لحظة تاريخية فارقة، فكرة لبنان كضرورة حضارية لا مجرد مصادفة جغرافية.

​إن العودة إلى زمن الحويك (1899-1931) هي عودة إلى "المخاض التأسيسي" بامتياز. في باريس 1919، لم يكن البطريرك مجرد رجل دين يطالب بحقوق فئة، بل كان يحمل مشروع وطن. كان يدرك، وهو يرى شبح المجاعة الكبرى ينهش أجساد اللبنانيين، أن هذا البلد لكي يستقيم، يحتاج إلى مقومات الدولة المتكاملة: من البحر إلى السهل. لم يكن "لبنان الكبير" في عام 1920 ترفاً سياسياً، بل كان "فعل إيمان" في وجه الفوضى الإقليمية والانهيارات الإمبراطورية.

 كان الاستقلال عنده يبدأ برغيف الكرامة؛ لذا لم يتوانَ عن رهن صليبه الذهبي ليطعم الجائعين، ضارباً أروع الأمثلة في أن القيادة هي تضحية لا وجاهة، وأن خبز الناس أقدس من الذهب.

​اليوم، يعود الحويك طوباوياً في زمن "الساحات المستباحة". وهنا يكمن جوهر المأزق الذي نعيشه؛ فنحن أمام صدام بين منطقين: منطق "الأب المؤسس" الذي أراد تثبيت حدود الدولة ومعناها، ومنطق آخر يختزل الجغرافيا اللبنانية إلى "مجرد وظيفة" في خدمة استراتيجياتٍ عابرة للحدود. إن خطورة ما يمر به لبنان اليوم ليست في الانهيار المالي فحسب، بل في محاولة تفريغ الدولة من معناها السيادي، وتحويلها من مساحة للتفاعل الحضاري إلى ورقة مقايضة على طاولات القوى الإقليمية.

​إن معضلة القرار الوطني اليوم ليست تقنية، بل هي معضلة هوية بامتياز. أراد الحويك ومؤسسو الكيان، وبينهم ميشال شيحا، أن يكون لبنان سيداً على خياراته، وألا يتحول إلى جبهة تُفتح وتُغلق بإرادات خارجية. إن إقحام البلاد في محاور لا تشبه نسيجها التعددي يضع الصيغة التاريخية أمام خطر فقدان توازنها، وهو ما يحذرنا منه التراث السياسي اللبناني الرصين؛ فلبنان، في جوهره، هو مساحة للحرية، وأي محاولة لتذويبه في مشاريع شمولية هي، في الواقع، مغامرة بمستقبل الوجود نفسه.

​أهمية الحويك اليوم تكمن في كونه "الضمير الوطني المستيقظ". تطويبه هو تذكير صارخ بأن هذا الوطن لا يمكن أن يستمر إلا كدولة سيدة، ديموقراطية، ومنفتحة على العالم. 

والاعتراف بهذه المكانة لن يتوقف عند حدود أيار؛ بل سيتوج في تموز المقبل باحتفالٍ رسمي مهيب بحضور ممثل قداسة البابا. هذا الحدث المرتقب ليس مجرد بروتوكول، بل هو رسالة دولية متجددة تؤكد أن "لبنان-الرسالة" لا يزال يمثل حاجةً أخلاقية للعالم، وأن المبادئ التي أرساها الحويك هي وحدها الكفيلة ترميم ما انكسر في علاقة لبنان بالمجتمع الدولي.

​تطويب الحويك يضعنا أمام السؤال الوجودي: هل نختار لبنان الدولة، أم نرتضي لبنان الساحة؟ لقد بنى الحويك وطناً لكي يكون ملاذاً للإنسان، لا مسرحاً لصراعات عبثية. البديل من هذا النموذج ليس إلا العزلة والتبعية المطلقة التي ترفضها روحية المؤسسين.

​في الختام، يظل الحويك المرجع الذي نلجأ إليه كلما ضاع المعنى. باختياره "عبرين" مقراً لرفاته، بعيداً من أبّهة المناصب، أكد أن العظمة الحقيقية تكمن في الخدمة والتواضع. تطويبه اليوم، وصولاً إلى احتفالية تموز الكبرى، ليس انتصاراً لفريق، بل هو اعتراف بأن "فكرة لبنان" لا تزال حية وتستحق الدفاع عنها بكل ما تبقى من إرادة وطنية. لقد أعطانا الحويك وطناً، واليوم، تقع على عاتقنا مسؤولية إنقاذ روحه قبل أن تذوب ملامحه.

        

الأكثر قراءة

النهار بيديا 9/21/2026 11:05:00 AM
نعى الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم شقيقه الشيخ أحمد بن راشد آل مكتوم، الذي تُوفي صباح اليوم الاثنين، مستذكراً إياه بالدعاء، فيما كان الراحل شخصية بارزة في المجالات الأمنية والرياضية والاقتصادية في دبي، وشغل منصب نائب رئيس شرطة دبي والأمن العام وترأس نادي الوصل.
شمال إفريقيا 9/24/2026 7:22:00 AM
يحتفظ الملك بصلاحيات واسعة في تحديد التوجّهات السياسية وملفات الدفاع والشؤون الخارجية.
لبنان 9/23/2026 8:25:00 AM
المتّهم اعترف بارتكابه هذا الفعل، فيما تستمر التحقيقات بإشراف القضاء المختص لكشف كامل الملابسات والدوافع.
سياسة 9/23/2026 5:45:00 AM

يُضرب موعد مع الإضرابات والتحركات المطلبية الأسبوع المقبل، مع رصد الاجتماعات العمالية هذا الأسبوع لتحديد خريطة الاعتراض الشعبي على موجة الغلاء. فمن يتحرك؟ وما مدى الاستجابة للمطالب؟