لبنان بين الأزمات الاقتصادية والتوترات الإقليمية: الضرائب كمدخل للإنقاذ لا أداة للإنهاك

منبر 17-05-2026 | 16:42

لبنان بين الأزمات الاقتصادية والتوترات الإقليمية: الضرائب كمدخل للإنقاذ لا أداة للإنهاك

لا يمكن الحديث عن إنقاذ اقتصادي حقيقي من دون إعادة تعريف دور الضرائب.
لبنان بين الأزمات الاقتصادية والتوترات الإقليمية: الضرائب كمدخل للإنقاذ لا أداة للإنهاك
إكس
Smaller Bigger

د. جيسيكا ابو مراد

 

منذ سنوات، يرزح لبنان تحت وطأة أزمة اقتصادية ومالية تُعد من بين الأشد في تاريخه الحديث، وقد تفاقمت تداعياتها مع الحرب الراهنة والتوترات الإقليمية، التي انعكست سلباً على مختلف القطاعات الاقتصادية والاجتماعية. فالمواطن اللبناني، الذي أنهكه انهيار العملة الوطنية وارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية، وجد نفسه اليوم أمام صدمات إضافية تُعمّق حالة عدم اليقين وتُضعف أي أفق للتعافي.

وسط هذا المشهد القاتم، يبرز العجز المزمن في الموازنة العامة كأحد أبرز التحديات البنيوية، حيث لا تزال الدولة تنفق بمعدلات تفوق إيراداتها، ما يفاقم الدين العام ويقيد قدرة المالية العامة على لعب دورها الاقتصادي والاجتماعي. ورغم لجوء السلطات إلى رفع الضرائب والرسوم خلال السنوات الماضية، إلا أن هذه الإجراءات لم تُترجم إلى تحسن ملموس في الإيرادات، نتيجة انكماش النشاط الاقتصادي، وتراجع الاستهلاك، وغياب الثقة، واتساع ظاهرة التهرب الضريبي.

غير أن الإشكالية لا تكمن فقط في مستوى الضرائب، بل في فلسفة النظام الضريبي نفسه. فالنظام القائم يعتمد بشكل مفرط على الضرائب غير المباشرة، وفي مقدمتها ضريبة القيمة المضافة والرسوم المختلفة، وهي ضرائب تُفرض على الاستهلاك وتُصيب الفئات ذات الدخل المحدود بنسبة أعلى من الفئات الميسورة، ما يجعلها بطبيعتها غير عادلة اجتماعياً، لا سيما في اقتصاد يشهد تراجعاً حاداً في الأجور الحقيقية وارتفاعاً متواصلاً في كلفة المعيشة.

 

 

وهنا تبرز فكرة أساسية غالباً ما يتم تجاهلها في النقاش العام: الضرائب في لبنان تُستخدم كأداة محاسبية لسد العجز، لا كأداة اقتصادية لإعادة بناء الثقة وتحفيز النشاط. فبدلاً من أن تكون السياسة الضريبية جزءاً من رؤية إنقاذية شاملة، تُوظَّف الضرائب اليوم كحل سريع لتمويل نفقات الدولة، من دون مراعاة أثرها التراكمي على النمو، أو على قرارات الاستثمار، أو على التماسك الاجتماعي.

في التجارب الاقتصادية المقارنة، لا تُقاس فاعلية النظام الضريبي بحجم ما يجبيه فقط، بل بقدرته على إعادة توجيه الموارد نحو الإنتاج، وتقليص الفوارق الاجتماعية، وتحفيز الاقتصاد الرسمي. أما في الحالة اللبنانية، فإن غياب العدالة الضريبية يُسهم في تعميق الاقتصاد غير المنظم، ويشجع على التهرب، ويعزز شعور المواطنين بأنهم يدفعون ضرائب من دون الحصول على خدمات مقابلة ذات جودة.

من هذا المنطلق، لا يمكن الحديث عن إنقاذ اقتصادي حقيقي من دون إعادة تعريف دور الضرائب. المطلوب ليس فرض ضرائب إضافية على الاستهلاك، بل الانتقال التدريجي نحو نظام أكثر تصاعدية، يربط العبء الضريبي بالقدرة الفعلية على الدفع، ويُوسّع القاعدة الضريبية عبر إدماج الأنشطة غير المصرّح عنها، وتحسين الإدارة الضريبية، وتعزيز الشفافية والمساءلة.

في ظل الأزمات المتداخلة التي يعيشها لبنان اليوم، تبقى الضرائب سيفاً ذا حدين: إما أداة لإنهاك اقتصاد منهار ومجتمع مُثقل بالأعباء، أو مدخلاً لإعادة التوازن وبناء عقد اجتماعي جديد بين الدولة والمواطن. والاختيار بين هذين المسارين ليس تقنياً فحسب، بل سياسي بامتياز.

الأكثر قراءة

النهار بيديا 9/21/2026 11:05:00 AM
نعى الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم شقيقه الشيخ أحمد بن راشد آل مكتوم، الذي تُوفي صباح اليوم الاثنين، مستذكراً إياه بالدعاء، فيما كان الراحل شخصية بارزة في المجالات الأمنية والرياضية والاقتصادية في دبي، وشغل منصب نائب رئيس شرطة دبي والأمن العام وترأس نادي الوصل.
شمال إفريقيا 9/24/2026 7:22:00 AM
يحتفظ الملك بصلاحيات واسعة في تحديد التوجّهات السياسية وملفات الدفاع والشؤون الخارجية.
لبنان 9/23/2026 8:25:00 AM
المتّهم اعترف بارتكابه هذا الفعل، فيما تستمر التحقيقات بإشراف القضاء المختص لكشف كامل الملابسات والدوافع.
سياسة 9/23/2026 5:45:00 AM

يُضرب موعد مع الإضرابات والتحركات المطلبية الأسبوع المقبل، مع رصد الاجتماعات العمالية هذا الأسبوع لتحديد خريطة الاعتراض الشعبي على موجة الغلاء. فمن يتحرك؟ وما مدى الاستجابة للمطالب؟