أنا الدولة اللبنانية: سيرة كيان معطَّل بين تنازع القوى وضياع الإرادة

منبر 15-04-2026 | 11:19

أنا الدولة اللبنانية: سيرة كيان معطَّل بين تنازع القوى وضياع الإرادة

في البدء، لم أكن مجرّد نص دستوري يُدوَّن، ولا صيغةً قانونية تُتلى. كنتُ تعبيراً عن فكرة الدولة بمعناها الدستوري الكامل: سلطةٌ موحدة، وسيادةٌ غير قابلةٍ للتجزئة، ونظام يقوم على سمّو القانون والفصل بين السلطات. كنتُ الإطار الذي تنتظم فيه الإرادات، لا الساحة التي تتنازعها.
أنا الدولة اللبنانية: سيرة كيان معطَّل بين تنازع القوى وضياع الإرادة
جانب من اللقاء في واشنطن
Smaller Bigger

المحامي ربيع حنا طنوس


 

في البدء، لم أكن مجرّد نص دستوري يُدوَّن، ولا صيغةً قانونية تُتلى. كنتُ تعبيراً عن فكرة الدولة بمعناها الدستوري الكامل: سلطةٌ موحدة، وسيادةٌ غير قابلةٍ للتجزئة، ونظام يقوم على سمّو القانون والفصل بين السلطات. كنتُ الإطار الذي تنتظم فيه الإرادات، لا الساحة التي تتنازعها.
غير أنّ مساري انحرف باكراً. فمنذُ نشأتي، أُخضعت لتوازناتٍ سياسيةٍ حوّلت النص إلى تسوية، والمؤسسات إلى انعكاسٍ لانقسام القائمين عليها. نشأ تناقض بنيوي: دستورٌ يقرّ وحدة السلطة، وواقع يُجزّئها، سيادةٌ يفترض أن تكون مطلقة، فإذا بها رهينة معادلاتٍ متبدّلة.
هنا بدأ الاختلال. لم يعد الدستور مرجعاً حاكماً للسلوك السياسي، بل نص يُستخدم عند الحاجة. يُستحضر حين يخدم، ويُهمل حين يقيّد. هكذا لم يُنقض مبدأ سمّوه صراحةً، بل أُفرغ من مضمونه تدريجاً، حتى فقد صفته كقاعدةٍ مُلزمة.
اما الفصل بين السلطات، فبدلاً من أن يؤمن التوازن، تحوّل في الممارسة إلى تقاسمٍ لها. تداخلت الصلاحيات لا تكاملاً بل تنازعاً. وغدت المؤسسات ساحات نفوذٍ تُدار وفق موازين القوى. هنا لم يعد التعطيل حادثاً، أصبح اسلوباً. تُعطل المؤسسات بإسم التوافق، تُجمَّد الصلاحيات بذريعة الشراكة. يتكرر الفراغ في الاستحقاقات، لا كأزمةٍ طارئة، بل كأداة ضغط. عند هذه النقطة يتبدَّل السؤال: لا يعود هل يُحترم الدستور، بل متى يُفعَّل، وكيف يُفعَّل ولمصلحة من؟
أنا الدولة التي يُفترض أن تحتكر ممارسة السلطة العامة وبسط سلطان القانون على الجميع. لكني أنازَع في صميم هذه الوظيفة، أُدار بتوازناتٍ متبدّلة بدل أن أحكم بقواعدٍ ثابتة. كلّما اقتربتُ من الاكتمال أُعاد إلى منطقة الالتباس، لأن الدولة الواضحة تُنهي الحاجة إلى وسيط، وتسقط منطق الامتياز.
غير أن أخطر نتائج هذا التعطيل لا تظهر في النصوص، بل في حياة المواطن حين أُعطّل لا تتوقف القواعد فحسب، بل تتراجع الضمانات، يتأخر الحق، تتعثر العدالة، وتفقد المساواة فعاليتها.
أنا الدولة اللبنانية التي وُجدت لحماية الحقوق والحريات، فإذا بهذه الحقوق تتفاوت تبعاً لمواقع النفوذ. لا يبقى القانون ميزاناً، بل تتعّدد موازينه. يفقد المواطن شعوره بالمساواة أمامه.
وحين يفترض بالقضاء أن يكون الملاذ الأخير، يصطدم بحدود الواقع فتضعف قدرته على الإنصاف. وحين يفترض بالإدارة أن تكون أداة خدمة، تتحوّل في بعض وجوهها إلى عبءٍ إضافي. هنا تمسّ الأزمة جوهر المواطنة، فلا مواطنة حيث الحقوق غير مضمونة ، ولا دولة حيث القانون لا يُطبَّق على الجميع بالقدر ذاته.
أنا الدولة اللبنانية، لا أُقاس بما كُتب في دستوري، بل بما يعيشه مواطنيّ من عدالةٍ فعلية. فإمّا أن أكون دولةً تصان فيها الحقوق ويستوي فيها الجميع أمام القانون، وإمّا أن أبقى كياناً يعلن وجوده في النص… ويمنع اكتماله في الواقع. فهل يُراد لي أن أكون دولة، أم أن أبقى فكرةً تُدار؟

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

النهار بيديا 9/21/2026 11:05:00 AM
نعى الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم شقيقه الشيخ أحمد بن راشد آل مكتوم، الذي تُوفي صباح اليوم الاثنين، مستذكراً إياه بالدعاء، فيما كان الراحل شخصية بارزة في المجالات الأمنية والرياضية والاقتصادية في دبي، وشغل منصب نائب رئيس شرطة دبي والأمن العام وترأس نادي الوصل.
شمال إفريقيا 9/24/2026 7:22:00 AM
يحتفظ الملك بصلاحيات واسعة في تحديد التوجّهات السياسية وملفات الدفاع والشؤون الخارجية.
لبنان 9/23/2026 8:25:00 AM
المتّهم اعترف بارتكابه هذا الفعل، فيما تستمر التحقيقات بإشراف القضاء المختص لكشف كامل الملابسات والدوافع.
سياسة 9/23/2026 5:45:00 AM

يُضرب موعد مع الإضرابات والتحركات المطلبية الأسبوع المقبل، مع رصد الاجتماعات العمالية هذا الأسبوع لتحديد خريطة الاعتراض الشعبي على موجة الغلاء. فمن يتحرك؟ وما مدى الاستجابة للمطالب؟