من أوكرانيا إلى إيران... صراع على الأولويّات
ينبغي الحذر من تفسير التزامن بين التحركات الأميركية الروسية والتطورات في إيران بوصفه دليلاً إلى صفقة شاملة. وإثبات وجود مقايضة تتنازل فيها واشنطن عن موقف في أوكرانيا مقابل ترتيب يتعلق بإيران، أو العكس، يحتاج إلى أدلة واضحة...
لم تعد الحرب الروسية الأوكرانية والحرب الأميركية الإسرائيلية مع إيران ملفين منفصلين، رغم اختلاف ساحتيهما وأهداف الأطراف المنخرطة فيهما، فالتطورات في الخليج العربي تؤثر في حسابات موسكو وكييف وواشنطن والعواصم الأوروبية، مثلما تكشف الحرب في أوكرانيا حدود قدرة الولايات المتحدة على إدارة أكثر من أزمة استراتيجية في وقت واحد.
لا يعني ذلك أن هناك غرفة عمليات واحدة تدير المواجهتين، أو أن اتفاقاً سرياً يربط مصير أوكرانيا بمستقبل إيران، لكن الحربين تتقاطعان عند الطاقة، وتوزيع الموارد العسكرية، وأولويات القرار الأميركي، والصراع على شكل النظام الدولي. وهذا يجعل أثر إحداهما في الأخرى لا يتطلب تنسيقاً مباشراً بين أطرافهما، إذ يكفي أن تتغير كلفة الحرب أو حسابات القوى الكبرى حتى تتبدل خياراتها في ساحات أخرى.
الطاقة هي الحلقة الأكثر وضوحاً في هذا الترابط. فأي اضطراب في إمدادات الخليج، ولا سيما إذا تأثرت حركة الملاحة في مضيق هرمز، يرفع تكاليف الشحن والتأمين ويزيد الضغط على أسواق النفط والوقود، وتنتقل التداعيات سريعاً إلى أوروبا والولايات المتحدة، فيما تستعيد الدول المنتجة، وفي مقدمتها روسيا، أهمية إضافية بوصفها مصدراً يمكن اللجوء إليه لتأمين الإمدادات.
وقد يؤدي ارتفاع الأسعار إلى تعزيز الإيرادات الروسية، في الوقت الذي تدفع فيه حاجة الأسواق واشنطن إلى البحث عن خيارات أكثر مرونة في التعامل مع موسكو، وفي هذا السياق يمكن فهم أي تفاهم يتعلق بإمدادات الوقود أو تخفيف بعض القيود على الصادرات الروسية، باعتباره اختباراً لحدود الفصل بين المصالح الاقتصادية والضغوط السياسية، لكنه لا يعني، بحد ذاته، أن روسيا تملك التحكم في مسار الحرب مع إيران، أو أن الولايات المتحدة مستعدة للتخلي عن أهدافها في أوكرانيا.
بالنسبة إلى واشنطن، تكمن المعضلة في إدارة الأولويات، فمواجهة طويلة مع إيران قد تتطلب انتشاراً بحرياً واسعاً، ودفاعات جوية، واستخبارات، وذخائر وإمدادات لوجستية، وإذا اتسع نطاق الحرب، فقد تزداد المنافسة على بعض الموارد العسكرية التي تحتاج إليها أوكرانيا أيضاً، ولا يعني ذلك أن كل سلاح يُستخدم في الشرق الأوسط سيُسحب من الجبهة الأوكرانية، فحجم التأثير يتوقف على طبيعة العمليات، والمخزونات المتاحة، والقرارات السياسية.
لكن الضغط لا يقتصر على الموارد، فكلما ارتفعت كلفة المواجهة في الشرق الأوسط، زادت دوافع الإدارة الأميركية إلى تقليص أعبائها الخارجية والبحث عن تسوية في أوكرانيا، وهو ما يبرز مصدر قلق كييف، أن تتحول الحاجة الأميركية إلى التركيز على إيران إلى ضغط لقبول اتفاق سريع لا يوفر ضمانات أمنية كافية، أو يؤجل أسباب الصراع بدلاً من معالجتها.
أما روسيا، فقد يمنحها انشغال واشنطن هامشاً أوسع للمناورة عسكرياً وتفاوضياً، إلى جانب ما قد تحققه من مكاسب إذا ارتفعت أسعار الطاقة، غير أن هذه الفرصة ليست بلا مخاطر، فالتصعيد الإقليمي قد يزعزع الأسواق، ويزيد عدم اليقين، ويخلق نتائج لا تستطيع موسكو ضبطها، كما أن العلاقة الاستراتيجية بين روسيا وإيران لا تعني تطابق مصالحهما في جميع الملفات، ولا تثبت وجود مقايضة تربط مصير الحربين.
وينبغي الحذر من تفسير التزامن بين التحركات الأميركية الروسية والتطورات في إيران بوصفه دليلاً إلى صفقة شاملة، وإثبات وجود مقايضة تتنازل فيها واشنطن عن موقف في أوكرانيا مقابل ترتيب يتعلق بإيران، أو العكس، يحتاج إلى أدلة واضحة، لا إلى مجرد تقاطع في المصالح أو استنتاجات مبنية على التوقيت.
وتراقب أوروبا هذه التطورات بقلق مزدوج، فهي تواجه تهديداً مباشراً لأمنها بسبب الحرب الروسية الأوكرانية، فيما قد يضيف التصعيد في الشرق الأوسط ضغوطاً على الطاقة والاقتصاد، وإذا طال أمد الحرب مع إيران، فستجد العواصم الأوروبية نفسها أمام تحدي مواصلة دعم أوكرانيا عسكرياً ومالياً، مع احتواء تداعيات اقتصادية جديدة.
كما تخشى أوروبا أن تتوصل واشنطن وموسكو إلى تفاهم لا يراعي مصالح كييف، أو أن يؤدي انشغال الولايات المتحدة إلى إضعاف الدعم الغربي، ولا يكفي أن تنجح الديبلوماسية في وقف القتال، بل ينبغي أن تتضمن أي تسوية ضمانات أمنية قابلة للتنفيذ، وألا تتحول إلى هدنة تمنح أحد الطرفين فرصة للاستعداد لجولة جديدة.
لا ترتبط الحربان بتحالفات ثابتة بقدر ما ترتبطان بحسابات القوة وتوزيع الموارد والقدرة على تحمل الكلفة، وقد تمنح الحرب مع إيران روسيا فرصاً إضافية في أوكرانيا، لكنها لا تضمن لها مكاسب دائمة، مثلما أن رغبة واشنطن في تخفيف أعبائها لا تعني أن التسوية باتت قريبة أو أن شروطها حُسمت.
ويبقى القول، المرجح أن يستمر تأثير الجبهتين إحداهما في الأخرى عبر أسواق الطاقة، والأولويات العسكرية، ومسارات التفاوض، وسيكون الاختبار الحقيقي في قدرة واشنطن على إدارة أزماتها من دون التضحية باستقرار أوروبا، وقدرة الأوروبيين على حماية أمنهم، وقدرة أوكرانيا على تفادي تسوية مفروضة تحت ضغط الظروف، فالحروب لا تُحسم دائماً في الميدان الذي اندلعت فيه، أحياناً يتحدد مسارها في سوق الطاقة أو على طاولة المفاوضات، حيث تصبح الأولويات نفسها ساحة للصراع.
*باحث ومستشار سياسي
-المقاربة الواردة لا تعكس بالضرورة رأي مجموعة "النهار" الإعلامية.
نبض