موسكو وواشنطن: الديزل ثمن التقارب وإيران في مهبّ المقايضات
إذا تحوّلت حاجة واشنطن إلى الطاقة إلى مكاسب روسية في أوكرانيا، وترافق ذلك مع تراجع دعم موسكو لطهران، فسيصبح السؤال مشروعاً: هل يساوم الكرملين على مصالح حليفه الإيراني مقابل تعزيز موقعه الدولي؟
د. خالد العزي*
من بوابة الطاقة، قد تتقاطع المصالح الروسية والأميركية في تفاهمات تتجاوز بيع الوقود إلى إعادة ترتيب الأولويات الاستراتيجية. فهل يستثمر الكرملين حاجة واشنطن إلى الديزل للحصول على مكاسب في أوكرانيا، مقابل مرونة روسية تجاه إيران والمنطقة؟ وهل تتحوّل طهران إلى ورقة تفاوض؟
فالولايات المتحدة التي فرضت عقوبات على روسيا لتقليص موارد تمويل حربها في أوكرانيا، قد تضطر إلى تخفيف بعض القيود عندما تصبح احتياجاتها الاقتصادية ملحّة. وفي المقابل، تجد موسكو فرصة لاستثمار مواردها النفطية لتخفيف الضغوط وفتح قنوات تفاوض جديدة مع واشنطن.
أوكرانيا أولاً... وإيران في حسابات المقايضة
منذ اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية عام 2022، أصبحت أوكرانيا أولوية استراتيجية للكرملين، باعتبارها ساحة مواجهة مباشرة مع الغرب ترتبط بالأمن الروسي ومكانة موسكو الدولية. أما إيران، فرغم أهميتها العسكرية والاقتصادية والإقليمية، فإن الشراكة معها لا تعني تطابق المصالح أو ضمانة روسية مفتوحة للدفاع عنها.
وتكشف تجارب العراق وليبيا وسوريا أن العلاقات الاستراتيجية لا توفر حماية دائمة للحلفاء عندما تتغير موازين القوى. فقد عارضت روسيا غزو العراق عام 2003 من دون أن تتمكن من منعه، واعتبرت سقوط القذافي عام 2011 نتيجة لتجاوز الغرب التفويض الدولي. وفي سوريا، تدخلت عسكرياً عام 2015 لدعم نظام بشار الأسد، لكن سقوطه في كانون الأول/ ديسمبر 2024 أظهر حدود القدرة الروسية على حماية حلفائها عندما تتزاحم الأولويات.
هذه التجارب لا تثبت أن موسكو ستتخلى حتماً عن إيران، لكنها تؤكد أن المصالح قد تتقدم على التحالفات عندما ترتفع كلفة الدعم.
الديزل: بوابة تفاوض أم صفقة اقتصادية؟
قد تسعى موسكو إلى تحويل حاجة واشنطن إلى الوقود إلى فرصة لتخفيف العقوبات وتحسين شروط التفاوض بشأن أوكرانيا، فيما تبحث الإدارة الأميركية عن وسائل لاحتواء ارتفاع الأسعار وأزمة الطاقة.
ويمكن أن تتقاطع مصالح الطرفين من دون اتفاق شامل، عبر تفاهمات تتعلق بمنشآت الطاقة الأوكرانية أو وقف الهجمات المتبادلة أو تخفيف القيود الاقتصادية.
لكن لا توجد أدلة كافية تثبت أن الديزل الروسي جاء مقابل تنازلات أميركية في أوكرانيا أو خدمات روسية في إيران. فالتعاون الاقتصادي بين خصمين لا يعني بالضرورة وجود مقايضة استراتيجية.
هل يقدّم الكرملين خدمات مجّانية لواشنطن؟
تكمن المسألة الأكثر حساسية في احتمال توظيف موسكو علاقاتها بطهران لتسهيل أهداف أميركية، سواء عبر احتواء التصعيد أو ضمان أمن الملاحة في مضيق هرمز واستقرار إمدادات الطاقة.
إذا تحقق ذلك ضمن تفاهمات تمنح روسيا مكاسب في أوكرانيا أو تخفّف الضغوط الاقتصادية، فقد تجد إيران نفسها أمام نتائج لم تشارك في صياغتها. وقد يظهر التخلي عنها في تراجع الدعم الروسي أو امتناع موسكو عن اتخاذ خطوات كانت طهران تتوقعها.
ومع ذلك، لا يمكن الجزم بأن الكرملين يقدّم خدمات مجانية للولايات المتحدة؛ فقد تسعى موسكو إلى حماية مصالحها الإقليمية ومنع اتساع الحرب، مع الحفاظ على دورها وسيطاً مؤثراً.
الصفقات الكبرى والشعوب التي تدفع الثمن
إن الخطر على إيران لا يكمن بالضرورة في وجود صفقة سرّية بعنوان "إيران مقابل أوكرانيا"، بل في احتمال أن تقدّم موسكو مصالحها المباشرة على مصالح شريكها الإيراني. فالدول الكبرى تدير تحالفاتها وفق حسابات القوة والمنفعة، لا الصداقة وحدها.
وفي عالم تتداخل فيه الحروب مع الطاقة والعقوبات، قد تتحول الدول إلى أوراق تفاوض، بينما تتحمّل الشعوب نتائج التسويات التي تُصاغ بعيداً عن إرادتها.
في النهاية، قد يكون الديزل الروسي أكثر من مجرد وقود، لكنه ليس دليلاً كافياً على وجود صفقة كبرى. فالمعيار الحقيقي هو النتائج: هل تتغير شروط التفاوض بشأن أوكرانيا؟ وهل تتراجع الضغوط على موسكو؟ وهل يتبدّل موقفها تجاه إيران والمنطقة؟
إذا تحوّلت حاجة واشنطن إلى الطاقة إلى مكاسب روسية في أوكرانيا، وترافق ذلك مع تراجع دعم موسكو لطهران، فسيصبح السؤال مشروعاً: هل يساوم الكرملين على مصالح حليفه الإيراني مقابل تعزيز موقعه الدولي؟ أما قبل ظهور أدلة واضحة، فستبقى هذه المقايضة احتمالاً سياسياً لا حقيقة مثبتة.
نبض