صواريخ يونانية في كريت... إيران في الواجهة وتركيا في الخلفية

آراء 26-08-2026 | 15:26

صواريخ يونانية في كريت... إيران في الواجهة وتركيا في الخلفية

اليوم تبدو الصورة مختلفة. فاليونان لا تتخلى ببساطة عن الصواريخ الروسية، لكنها تبني تدريجياً شبكة دفاع جوي متعددة الطبقات تعتمد بصورة أكبر على المنظومات الغربية والإسرائيلية.
صواريخ يونانية في كريت... إيران في الواجهة وتركيا في الخلفية
صواريخ باتريوت
Smaller Bigger

 



 سمير صالحة *
 
غادرت بطارية الباتريوت اليونانية جزيرة كربة "كارباثوس" في إيجه، ووصلت إلى قاعدة سودا في جزيرة كريت الأطلسية. ظاهرياً، تبدو الخطوة يونانية دفاعية فرضها التهديد الإيراني، لكن مكان استقرار الصاروخ يقول إن القصة أكبر من مجرد إعادة انتشار عسكري.
فسودا ليست موقعاً يونانياً عادياً؛ إنها إحدى أهم العقد العسكرية الأميركية والأطلسية في شرق المتوسط، وكريت نفسها تقع عند تقاطع حسابات بحر إيجه وشرق المتوسط وشمال أفريقيا.


إيران تفسر لماذا تحرك الصاروخ، لكن سودا تفسر لماذا تحرك إلى هنا.
المسألة إذاً ليست أين يوجد الصاروخ فقط، بل أي منظومة أمنية يتصل بها؟ وماذا يعني انتقال الباتريوت من جزيرة كانت شديدة الحساسية بالنسبة إلى تركيا إلى موقع يرتبط مباشرة بالحضور الأميركي والأطلسي؟


أكثر من مجرد تغيير في الموقع

 

لم يكن انتقال بطارية الباتريوت من جزيرة إلى أخرى مجرد تغيير في موقع الانتشار. فالمنظومة التي كانت موجودة في جزيرة شديدة الحساسية في الحسابات التركية–اليونانية، أصبحت الآن في قاعدة تتمتع بأهمية عسكرية أميركية وأطلسية استثنائية.
كربة تقع في فضاء بحر إيجه الذي يشكل منذ عقود إحدى أكثر ساحات الاحتكاك حساسية بين أنقرة وأثينا، ولذلك كان وجود الباتريوت فيها يُقرأ قبل كل شيء ضمن ميزان القوة بين العاصمتين. أما في سودا، فإن المنظومة تدخل في حساب مختلف: حماية منشأة عسكرية ولوجستية ترتبط بالوجود الأميركي والأطلسي في منطقة تتزايد أهميتها مع تصاعد التهديد الإيراني.


لم يتحرك الباتريوت فقط بين جزيرتين، بل انتقل من جغرافيا إلى جغرافيا أخرى. في كربة كان الصاروخ قريباً من معادلة الردع التركي–اليوناني، أما في سودا فأصبح جزءاً من معادلة أوسع تضم الولايات المتحدة والناتو وإيران وتركيا وإسرائيل وشرق المتوسط.


وهنا تحديداً تظهر أهمية الخطوة بالنسبة إلى أنقرة. فتركيا قد لا ترى الباتريوت موجهاً ضدها، لكن ذلك لا يمنع أن تدخل عملية نقله في حساباتها الاستراتيجية. 
نقل الباتريوت إلى كريت قد يقلل عنصر الاحتكاك المباشر مع تركيا، لكنه في الوقت نفسه يرفع القيمة الاستراتيجية للموقع الذي استقر فيه. فالسؤال التركي تحول من: لماذا توضع منظومة دفاع جوي في جزيرة قريبة من السواحل التركية؟ إلى: ماذا يعني تعزيز الدفاعات في قاعدة ترتبط مباشرة بالبنية العسكرية الأميركية والأطلسية في شرق المتوسط؟


سبق أن اعترضت تركيا على نشر المنظومة في كربة القريبة من سواحلها، لكن وصولها إلى كريت يضعها في جغرافيا مختلفة. فالمشكلة بالنسبة إلى أنقرة ستبقى في إعادة توزيع القدرات العسكرية اليونانية داخل فضاء شرق المتوسط.
كانت كريت التي تستقبل الباتريوت اليوم، مسرحاً لقصة صواريخ أس- 300  الروسية التي وصلت إليها في التسعينيات بعد نقلها من جزيرة قبرص نتيجة الاعتراض التركي على نشرها هناك.


شبكة دفاع يونانية جديدة

 

اليوم تبدو الصورة مختلفة. فاليونان لا تتخلى ببساطة عن الصواريخ الروسية، لكنها تبني تدريجياً شبكة دفاع جوي متعددة الطبقات تعتمد بصورة أكبر على المنظومات الغربية والإسرائيلية. فأثينا تبنت في تموز/يوليو المنصرم برنامجاً دفاعياً بقيمة 3.5 مليارات يورو، يتضمن منظومات إسرائيلية للدفاع الجوي والصاروخي ومكافحة الطائرات المسيّرة.


قد تكون إيران هي التي دفعت الصاروخ إلى الانتقال، لكن وجوده في كريت يعزز موقع الجزيرة داخل هندسة أمن شرق المتوسط، ويجعل كل إعادة توزيع للقوة فيها موضع قراءة ومراقبة من أنقرة.
السؤال ليس ما إذا كان الباتريوت موجهاً إلى تركيا، بل هل تتحول كريت تدريجياً إلى عقدة دفاعية غربية وأطلسية أكثر أهمية، وما الذي يعنيه هذا التحول لميزان القوة في شرق المتوسط؟

 

* باحث وأستاذ جامعي - تركيا

الأكثر قراءة

النهار بيديا 9/21/2026 11:05:00 AM
نعى الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم شقيقه الشيخ أحمد بن راشد آل مكتوم، الذي تُوفي صباح اليوم الاثنين، مستذكراً إياه بالدعاء، فيما كان الراحل شخصية بارزة في المجالات الأمنية والرياضية والاقتصادية في دبي، وشغل منصب نائب رئيس شرطة دبي والأمن العام وترأس نادي الوصل.
شمال إفريقيا 9/24/2026 7:22:00 AM
يحتفظ الملك بصلاحيات واسعة في تحديد التوجّهات السياسية وملفات الدفاع والشؤون الخارجية.
لبنان 9/23/2026 8:25:00 AM
المتّهم اعترف بارتكابه هذا الفعل، فيما تستمر التحقيقات بإشراف القضاء المختص لكشف كامل الملابسات والدوافع.
سياسة 9/23/2026 5:45:00 AM

يُضرب موعد مع الإضرابات والتحركات المطلبية الأسبوع المقبل، مع رصد الاجتماعات العمالية هذا الأسبوع لتحديد خريطة الاعتراض الشعبي على موجة الغلاء. فمن يتحرك؟ وما مدى الاستجابة للمطالب؟