حين يتحوّل الوهم إلى انتصار

منبر 27-04-2026 | 17:41

حين يتحوّل الوهم إلى انتصار

الانتصار الحقيقي لا يقاس بالبقاء وحسب، بل بالقدرة على الاستمرار بكرامة، وعلى إعادة البناء، وعلى تحقيق استقرار يمكّن المجتمعات من التقدم. أما حين يصبح مجرد النجاة هو سقف التوقعات، فإن ذلك يعكس تحولاً عميقاً في تعريف الطموح ذاته...

حين يتحوّل الوهم إلى انتصار
جنود إسرائيليون يعبرون بين منازل مدمرة جنوبي لبنان في 27 أبريل 2026 (أ ف ب)
Smaller Bigger

محمد خراط*

 

لم يكن مفهوم “الانتصار” يوماً ملتبساً كما هو اليوم.

 

في الذاكرة السياسية والعسكرية، كان الانتصار واضح المعالم: أرض تُحرر، عدو يُهزم وينسحب، وشعب يبدأ من جديد مسار البناء والازدهار. كانت النتائج ملموسة، قابلة للقياس، ولا تحتمل المزايدات أو المجاملات.

أما اليوم، فقد أصبح هذا المفهوم عرضة لإعادة تعريف لا تستند إلى الواقع بقدر ما تُبنى على خطاب يخلط بين الصمود والانتصار، وبين البقاء والإنجاز.

 

وكأن البقاء إنجاز!!

أصبح يسوّق “الانتصار” بوصفه مجرد القدرة على العودة إلى أرض مدمرة، فقدت مقوّمات الحياة الأساسية، بينما تقدم الخسائر البشرية والمادية على أنها “ثمن طبيعي” لمسار لا يفضي بالضرورة إلى نتيجة واضحة، وكأن البقاء على قيد الحياة إنجاز يُحتفى به.

في هذا السياق، لم يتغير تعريف النصر وحسب، بل تغيرت أيضاً صورة القيادة؛ في السابق وفي النموذج القيادي الفعلي، كان القائد حاضراً في الميدان، قريباً من شعبه، يشاركهم المخاطر، ويجسد بوجوده المعنوي والمادي معنى المسؤولية. حضوره لم يكن رمزياً فحسب، بل كان عنصراً حاسماً في بناء الثقة وتعزيز الصمود الحقيقي.

أما اليوم، فبعض من يسمّون أنفسهم قادة لا يُرى لهم أثر إلا عبر الشاشات. يتحدثون عن الصمود وهم في عمق الملاجئ، ويخاطبون شعوباً تُذبح وهم في أمان لا يعرف أحد حدوده ولا موقعه. هذا التحول يطرح تساؤلات جوهرية حول العلاقة بين القيادة والمسؤولية، وحول مدى مشروعية الخطاب الذي يدعو إلى التضحيات في ظل غياب الحضور الفعلي في الميدان.

 

الالتزام بالرواية

الأخطر من ذلك، هو قدرة هذا الخطاب على إعادة تشكيل وعي الجمهور. فعبر التكرار، واللغة العاطفية، واحتكار الرواية، يمكن تحويل الخسارة إلى “صمود”، والدمار إلى “ثبات”، وغياب النتائج إلى “انتصار مؤجل”. ومع الوقت، لا يعود السؤال عن الواقع مهماً بقدر ما يصبح الالتزام بالرواية هو المعيار.

لكن الإشكالية لا تكمن فقط في الخطاب، بل في نتائجه البعيدة المدى. حين يتم تطبيع الخسارة، وتقديمها على أنها إنجاز، تتآكل معايير التقييم، ويصبح من الصعب على المجتمعات التمييز بين النجاح والفشل، بين ما يجب الاحتفاء به وما يجب مراجعته.

الانتصار الحقيقي لا يُقاس فقط بالبقاء، بل بالقدرة على الاستمرار بكرامة، وعلى إعادة البناء، وعلى تحقيق استقرار يمكّن المجتمعات من التقدم. أما حين يصبح مجرد النجاة هو سقف التوقعات، فإن ذلك يعكس تحولاً عميقاً في تعريف الطموح ذاته.

تبقى الحقيقة أبسط من كل الخطابات:

 

لا يمكن للوهم، مهما تكرر، أن يتحول إلى واقع.
لكن الخطر الحقيقي يبدأ عندما يتوقف الناس عن محاولة التمييز وتبدأ الشعوب بتسويق الوهم والاحتفال به. وهم بأن الدمار هو ثمن النصر وأن البقاء هو الانتصار وأن الصوت العالي هو صوت الحقيقة.

وفي النهاية، أوهموهم أنهم انتصروا فصدقوا واحتفلوا.

 

*كاتب وناقد

         
العلامات الدالة

الأكثر قراءة

النهار بيديا 9/21/2026 11:05:00 AM
نعى الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم شقيقه الشيخ أحمد بن راشد آل مكتوم، الذي تُوفي صباح اليوم الاثنين، مستذكراً إياه بالدعاء، فيما كان الراحل شخصية بارزة في المجالات الأمنية والرياضية والاقتصادية في دبي، وشغل منصب نائب رئيس شرطة دبي والأمن العام وترأس نادي الوصل.
شمال إفريقيا 9/24/2026 7:22:00 AM
يحتفظ الملك بصلاحيات واسعة في تحديد التوجّهات السياسية وملفات الدفاع والشؤون الخارجية.
لبنان 9/23/2026 8:25:00 AM
المتّهم اعترف بارتكابه هذا الفعل، فيما تستمر التحقيقات بإشراف القضاء المختص لكشف كامل الملابسات والدوافع.
سياسة 9/23/2026 5:45:00 AM

يُضرب موعد مع الإضرابات والتحركات المطلبية الأسبوع المقبل، مع رصد الاجتماعات العمالية هذا الأسبوع لتحديد خريطة الاعتراض الشعبي على موجة الغلاء. فمن يتحرك؟ وما مدى الاستجابة للمطالب؟