الانسحاب الأميركي من سوريا... خروج عسكري وبقاء سياسي

آراء 23-02-2026 | 12:54

الانسحاب الأميركي من سوريا... خروج عسكري وبقاء سياسي

العلاقة الجيدة بين واشنطن ودمشق الجديدة، إن كتب لها الاستمرار، قد تشكّل مدخلاً لتخفيف التوترات، وإعادة دمج سوريا تدريجياً في محيطها، بشرط أن تترجم هذه العلاقة إلى خطوات عملية في ملفات الأمن والاقتصاد وعودة الاستقرار.

الانسحاب الأميركي من سوريا... خروج عسكري وبقاء سياسي
قوات أميركية في دير الزور شمالي سوريا (أ ف ب)
Smaller Bigger

لم يكن خبر سحب الولايات المتحدة قواتها من سوريا مجرد تفصيل عسكري عابر، بل محطة سياسية تحمل دلالات عميقة، تتجاوز عدد الجنود ومواقع انتشارهم؛ فالوجود الأميركي، الذي بدأ عام 2015 تحت عنوان الحرب على تنظيم داعش، يصل اليوم إلى نهايته في سياق إقليمي ودولي مختلف، وفق ما تعكسه تسريبات وتصريحات مسؤولين أميركيين، وما تلاها من مواقف رسمية لواشنطن.

الانسحاب، وفق المعطيات المتداولة، لا يعني بالضرورة انسحاباً من الملف السوري، بل إعادة تموضع سياسي وأمني. هذا التمييز أساسي لفهم ما يجري؛ فالولايات المتحدة، التي حافظت لسنوات على وجود محدود، لكنه مؤثر، في شمال شرقي الجمهورية العربية السورية، وعلى تخوم الأردن والعراق، تبدو اليوم مقتنعة بأن الكلفة السياسية والعسكرية لهذا الوجود لم تعد متناسبة مع العائد الاستراتيجي، خصوصاً بعد تراجع الدور الميداني للقوى المحلية، التي اعتمدت عليها واشنطن في مواجهة تنظيم داعش.

هنا يبرز عامل مفصلي هو التفكك شبه الكامل لقوات سوريا الديموقراطية، الأداة الرئيسية للولايات المتحدة في الحرب على داعش. هذه القوات، التي شكلت لعقد تقريباً ورقة ميدانية للتحالف الدولي، فقدت كثيراً من قدرتها على التأثير، سواء بفعل التحولات الداخلية أو بتبدل موازين القوى الإقليمية. ومع تراجع هذا الدور، بدا الوجود الأميركي كأنه بلا رافعة محلية فعّالة، ما جعل استمراره موضع تساؤل داخل دوائر صنع القرار في واشنطن، ولا سيما في ظل مقاربة إدارة الرئيس دونالد ترامب التي تميل إلى تقليص الانخراط العسكري الخارجي.

 

القوات الأميركية تسير دورية في مدينة القامشلي بشمال شرقي سوريا 9 يناير 2024 (أ ف ب/ أرشيف)
القوات الأميركية تسير دورية في مدينة القامشلي بشمال شرقي سوريا 9 يناير 2024 (أ ف ب/ أرشيف)

 

لكن القراءة الأعمق للانسحاب لا تكتمل من دون التوقف عند التطور الأبرز في المشهد السوري، والمتمثل بانضمام الحكومة السورية الجديدة إلى التحالف الدولي لمكافحة داعش، وفتح صفحة من التعاون الأمني مع واشنطن. هذا التحوّل غيّر قواعد اللعبة، وبدلاً من أن تكون سوريا ساحة صدام غير مباشر بين الولايات المتحدة ودمشق، باتت - ولو بحذر - ساحة تقاطع مصالح في ملف مكافحة الإرهاب.

 تصريحات مسؤولين أميركيين عن العمل عن كثب وفي الميدان مع السلطات السورية، وعن عمليات مشتركة أفضت إلى القبض على قيادات من داعش، تشير بوضوح إلى هذا المسار الجديد.

من هذه الزاوية، يصبح الانسحاب العسكري بمثابة اعتراف ضمني بأن الدولة السورية استعادت، أو في طريقها لاستعادة، دورها السيادي على كامل أراضيها. فواشنطن، التي طالما ربطت وجودها الميداني بغياب شريك موثوق في دمشق، تجد اليوم نفسها أمام سلطة تعتبرها قادرة، أو على الأقل راغبة، في تحمل مسؤولية الأمن ومواجهة التنظيمات المتطرفة؛ وهذا ما يفسّر قول مسؤولين أميركيين إن انسحاب القوات يعني عملياً إعطاء دمشق السلطة على كامل الجغرافيا السورية.

في المقابل، لا يمكن تجاهل المخاوف التي عبّر عنها مسؤولون أميركيون وأجانب من أن يؤدّي تقليص الوجود الأميركي إلى إضعاف جهود مكافحة الإرهاب أو إلى إعادة خلط الأوراق بين دمشق وبعض القوى المحلية، خصوصاً الكردية. هذه المخاوف مشروعة في سياق إقليمي هشّ، لكنها لا تلغي حقيقة أن استمرار وجود قوات أجنبية على الأرض السورية لم يعد خياراً مستداماً، لا سياسياً ولا قانونياً، في ظل التفاهمات الجديدة.

الانسحاب الأميركي، إذن، لا يعكس هزيمة ولا تخلّياً، بقدر ما يعكس إعادة تعريف للدور؛ فواشنطن - بحسب تصريحات مسؤوليها - ستتصرف بناء على تقديرها للتهديد الأمني، ما يعني أن أدواتها المقبلة ستكون سياسية واستخباراتية بالدرجة الأولى، مع الاحتفاظ بإمكانية التدخل عند الضرورة.

هذا التحول يتماشى مع نهج أوسع في السياسة الأميركية، يقوم على تقليص الانتشار العسكري المباشر لصالح الشراكات والضغوط الديبلوماسية.

أما على المستوى الإقليمي، فإن هذا القرار يفتح الباب أمام مرحلة جديدة في سوريا، عنوانها الرئيسي إعادة بناء الدولة وترتيب علاقاتها الخارجية.

العلاقة الجيدة بين واشنطن ودمشق الجديدة - إن كتب لها الاستمرار - قد تشكّل مدخلاً لتخفيف التوترات، وإعادة دمج سوريا تدريجياً في محيطها، بشرط أن تترجم هذه العلاقة إلى خطوات عملية في ملفات الأمن والاقتصاد وعودة الاستقرار.

يبقى القول: يعكس الانسحاب الأميركي من سوريا لحظة تحول في مقاربة واشنطن للملف السوري، من منطق الوجود العسكري المحدود إلى منطق الشراكة المشروطة. وهو انسحاب من الميدان، لكنه ليس انسحاباً من الحسابات. وبين هذين الحدين، تقف سوريا الجديدة أمام فرصة نادرة لاستعادة دورها، ليس فقط كدولة ذات سيادة، بل كشريك في معركة ما زالت مستمرة ضد الإرهاب، بأدوات مختلفة وخرائط نفوذ جديدة.

 

*باحث ومستشار سياسي

 

-المقاربة الواردة لا تعكس بالضرورة رأي مجموعة "النهار" الإعلامية.

الأكثر قراءة

النهار بيديا 9/21/2026 11:05:00 AM
نعى الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم شقيقه الشيخ أحمد بن راشد آل مكتوم، الذي تُوفي صباح اليوم الاثنين، مستذكراً إياه بالدعاء، فيما كان الراحل شخصية بارزة في المجالات الأمنية والرياضية والاقتصادية في دبي، وشغل منصب نائب رئيس شرطة دبي والأمن العام وترأس نادي الوصل.
شمال إفريقيا 9/24/2026 7:22:00 AM
يحتفظ الملك بصلاحيات واسعة في تحديد التوجّهات السياسية وملفات الدفاع والشؤون الخارجية.
لبنان 9/23/2026 8:25:00 AM
المتّهم اعترف بارتكابه هذا الفعل، فيما تستمر التحقيقات بإشراف القضاء المختص لكشف كامل الملابسات والدوافع.
سياسة 9/23/2026 5:45:00 AM

يُضرب موعد مع الإضرابات والتحركات المطلبية الأسبوع المقبل، مع رصد الاجتماعات العمالية هذا الأسبوع لتحديد خريطة الاعتراض الشعبي على موجة الغلاء. فمن يتحرك؟ وما مدى الاستجابة للمطالب؟