هل استغلت واشنطن القمّة بين الرئيسين دونالد ترامب وشي جينبينغ لإقناع الصين بممارسة مزيد من الضغط على إيران، ووضع ضمانات في شأن الذكاء الاصطناعي من دون تقديم تنازلات في قضايا حاسمة أخرى مثل تايوان؟
جائزة مهمّة لكلا الطرفين
استقبل البيت الأبيض أخيراً الرئيس الصيني في أول زيارة له للولايات المتحدة منذ 2023. وانشغل الزعيمان في لقائيهما السابقين خلال العام الماضي، في الصين في أيار الماضي وفي كوريا الجنوبية في تشرين الأول، بكيفية ضبط التصعيد المتبادل في ملف الرسوم الجمركية وضوابط التصدير.
في اللقاء ما قبل الأخير بين شي وترامب وقّعت الولايات المتحدة وإيران مذكرة تفاهم قبل التخلّي عنها لاحقاً، الأمر الذي دفع واشنطن إلى فرض حصار على الموانئ الإيرانية وتشديد العقوبات الاقتصادية. مع ذلك واصلت الصين دعم طهران بطرق مختلفة وتقديم نفسها طرفاً محايداً. في خلفية هذه التطورات يتصاعد التنافس بين القوّتين العظميين في مجال الذكاء الاصطناعي. وهو قطاع يمثّل فيه سوق الشرق الأوسط جائزة مهمّة لكلا الطرفين.

كيف ستؤثر هذه القضايا على محاولات ترامب وشي إرساء إطار مستقر للعلاقات المستقبلية؟
منذ اندلاع الأزمة الإيرانية، في شباط الماضي يجيب باحثان مهمّان في مركز أبحاث أميركي مقرّه واشنطن، تعالت التقارير التي ترصد أوجه الدعم الصيني لطهران. فعلى الصعيد الاقتصادي تظلّ بكين شريان الحياة الاقتصادي الأهمّ للنظام. ورغم أن تدفّق النفط الإيراني قد انخفض منذ دخول الحصار الأميركي حيّز التنفيذ ظلّت الصين لفترة طويلة أكبر مستورد لهذه الإمدادات، وبفارق كبير، إذ بذلت جهوداً كبيرة للتحايل على العقوبات الغربية وتعويض طهران الشحنات التي تمكّنت من الوصول إليها.
على الصعيد العسكري استمرت إدارة ترامب في فرض عقوبات على كيانات صينية لتزويدها إيران ببيركلورات الصوديوم ومواد أولية أخرى تُستخدم في دعم برنامجها الصاروخي. تواصل التقارير الإعلامية تسليط الضوء على الاتهامات الأميركية بأن إيران استخدمت صور أقمار صناعية صينية للمساعدة في استهداف المواقع الأميركية في أنحاء المنطقة، بل إن بكين، وفقاً للتقارير، أبرمت ترتيباً فريداً يسمح لأفراد من "الحرس الثوري الإيراني" بتكليف قمر صناعي صيني بصورة مستقلة بتنفيذ عمليات استشعار عن بعد لمواقع محدّدة.
غير أن إدارة ترامب هوّنت من شأن هذا الدعم. ففي تموز الماضي قال وزير الخارجية ماركو روبيو: "لم يغيّر أيّ شيء قامت به الصين بأيّ شكل من الأشكال مسار الصراعات مع إيران" وذهب إلى أن بكين "كانت في الواقع متعاونة جداً في ما يتعلّق بما كان بوسعها فعله ولم تفعله". في الأسبوع ذاته أشار ترامب في منشور على "تروث سوشيال" إلى أن شي وعد "بأنه لن يقدّم أو يبيع أسلحة تحت أيّ ظرف من الظروف إلى إيران". وبعد أيام وصف ترامب تقارير عن بدء الصين نقل أنظمة دفاع جوّي محمولة إلى طهران "بأنها مفاجئة لكنها أمور قد تحدث". وعندما سُئل لاحقاً عن الدعم الصيني من خلال صور أقمار اصطناعية لضربات إيرانية أجاب: "إنهم في الأساس يفعلون ما نفعله. عندما يقولون أن الصين تتجسّس علينا أقول أنتم محقّون ونحن نتجسّس عليهم أيضاً". تعزّز هذه التصريحات فكرة أن إدارة ترامب لا تريد أن تؤثر الحرب مع إيران سلباً على هدفها الأوسع المتمثّل في استقرار العلاقات مع الصين خلال الفترة الباقية من ولايته. والإجراءات الأميركية تدعم هذا الانطباع أيضاً.
ماذا عن الذكاء الاصطناعي والشرق الأوسط؟
انعقدت القمّة على خلفية منافسة ناشئة في الذكاء الاصطناعي والهيمنة التكنولوجية في الخليج حيث تتسابق السعودية والإمارات وشركاء إقليميون آخرون للحصول على رقائق متطوّرة وبناء مراكز بيانات وجذب الاستثمارات الأجنبية من أجل أن يصبحوا لاعبين رئيسيين في هذا القطاع على الصعيد الإقليمي. رداً على ذلك خفّفت واشنطن القيود على الصادرات ومتطلبات فحص الاستثمارات في محاولة لإبقاء الشركات الأميركية، وتالياً البنية التحتيّة التكنولوجية الأميركية، في قلب مشاريع تطوير الذكاء الاصطناعي الناشئة في الخليج.
في المقابل تقدّم الصين أجهزة وبرامج أرخص، ونماذج ذكاء اصطناعي أكثر انفتاحاً وشروطاً سياسية أقلّ صرامة، وهذه ميزة جذّابة لقادة دول الخليج المصرّين على الاستقلالية الاستراتيجية والسيادة على أنظمة الذكاء الاصطناعي الخاصة بهم. وقد أبرمت السعودية شراكات مع شركات أميركية مثل "إنفيديا" و"إيه إم دي" و"سيكو" من خلال شركة "هيومين" للذكاء الاصطناعي المدعومة من الدولة بينما تستخدم نماذج الذكاء الاصطناعي الصينية وتحافظ على علاقاتها مع مزوّدي التكنولوجيا الصينيين. واتبعت الإمارات استراتيجية مماثلة.
هل من توصيات سياسية؟
سيتطلّب إنهاء الحرب مع إيران بشروط الولايات المتحدة ضغوطاً على إيران تتجاوز ما مارسته واشنطن حتى الآن، لأن الصين لا تزال شريان الحياة الخارجي الأهم لإيران. لذا على ترامب الحصول من الصين على التزامات من دون التنازل عن قضايا حسّاسة أخرى مثل تايوان. يعني ذلك أن على الأميركيين استخدام نقاط النفوذ الآتية:
– رفع السرّية عن المعلومات المتعلّقة بالدعم الصيني في مجال صور الأقمار الصناعية ونشرها.
– توسيع نطاق العقوبات الثانوية تدريجاً في إطار "عملية المنبوذ الاقتصادي".
– مطالبة بكين بدعم التزام علني لحريّة الملاحة في مضيق هرمز ومضيق باب المندب.
– توظيف "حوار الذكاء الاصطناعي" الجديد لحماية المزايا التكنولوجية الأميركية في المنطقة.
يجب أن تحتفظ واشنطن بحريّة قرارها وبالتنسيق مع شركائها في الشرق الأوسط في ما يخصّ ضوابط التصدير والرقائق المتطوّرة وتخزين البيانات وحماية سائر البنى التحتيّة الحسّاسة، بما يضمن قدرتها على مواصلة تقديم بدائل أكثر جاذبية وتطوراً من التكنولوجيا الصينية.
نبض