من يدير الرأي العام العربي؟ وكيف تُستغل العاطفة في تشكيله؟

كتاب النهار 03-02-2026 | 04:25

من يدير الرأي العام العربي؟ وكيف تُستغل العاطفة في تشكيله؟

في زمن تحكمه السرديات، لم يعد الصمت خياراً ولم تعد البيانات التقليدية كافية؛ فالدولة التي لا تقود روايتها ولا تحمي رأيها العام داخلياً وخارجياً ستجد نفسها دائماً في موقع الدفاع، بينما يكتب الآخرون قصتها نيابة عنها… وربما ضدها.

من يدير الرأي العام العربي؟ وكيف تُستغل العاطفة في تشكيله؟
صورة تعبيرية.
Smaller Bigger

لم يعد الرأي العام العربي اليوم نتاجاً تلقائياً للتفاعل المجتمعي أو ثمرة لعمل الإعلام الوطني بل تحوّل ساحة مفتوحة تتصارع فيها السرديات، وتتنازعها أطراف متعددة تمتلك أدوات التأثير، بينما يغيب أو يضعف الدور الرسمي في كثير من الأحيان. فالسؤال لم يعد: ماذا يفكر الشارع العربي؟ بل أصبح: من يقوده؟ وكيف يُوجَّه؟ ولماذا يُترك دون حماية؟

في الواقع لا توجد جهة واحدة تدير الرأي العام العربي، بل تُدار ملامحه لحظياً عبر منصات التواصل الاجتماعي والإعلام العابر للحدود وبعض التنظيمات والأحزاب المؤدلجة، إضافة إلى دول إقليمية وقوى دولية تمارس تأثيرها بشكل مباشر أو غير مباشر. هذه الأطراف لا تسعى بالضرورة إلى إقناع الجمهور بقدر ما تهدف إلى تحريك عواطفه لأن إدارة الانفعال أسرع وأكثر فاعلية من بناء القناعة.

وتفسّر نظريات الاتصال الحديثة هذا الواقع بوضوح، فنظرية تحديد الأجندة تؤكد أن الإعلام لا يخبر الناس بما يفكرون فيه بل يحدد لهم ما الذي يجب أن يعتبرونه مهماً. بينما تشرح نظرية التدفق على مرحلتين كيف تنتقل الرسائل عبر قادة رأي ومؤثرين لا عبر المؤسسات مباشرة. أما نظرية دوامة الصمت، فتكشف كيف يختفي الصوت المخالف حين يشعر أصحابه أنهم خارج المزاج العام فيبدو رأياً واحداً كأنه يمثل الجميع.

المفارقة أن كثرة من الحكومات العربية لم تطوّر أدواتها لمواكبة هذا التحول. فالإعلام الرسمي في عدد من الدول لا يزال بطيئاً دفاعياً وتقليدياً، يرد بعد أن تكون السردية المضادة قد ترسخت. كما أن غياب الخطاب الوطني واضح وتشتت الرسائل وضعف الحضور في الفضاء الرقمي، مما يترك الرأي العام الداخلي والخارجي مكشوفاً أمام حملات التضليل والاستغلال.

وتُستغل في هذا السياق مجموعة من القضايا العاطفية العميقة في الوجدان العربي أبرزها الغضب الناتج من مشاهد الدم والقتل والخوف من الفوضى وضياع الأمن، والإحساس بالظلم والمظلومية إضافة إلى الكرامة والهوية الدينية والوطنية. وتبقى القضية الفلسطينية بما تحمل من رمزية تاريخية وإنسانية، أقوى محرك عاطفي يُستخدم لتعبئة الشارع وتوجيهه ضد أطراف ودول أحياناً بعيداً من التحليل الواقعي أو المصلحة الفعلية.

إن خطورة هذا المشهد لا تكمن في وجود عاطفة لدى الشعوب، فالعاطفة جزء طبيعي من الوعي الجمعي، بل في تركها تُدار من دون توازن أو خطاب عقلاني موازٍ. فالرأي العام الذي يُبنى على الغضب وحده سريع الاشتعال… لكنه سريع الانقلاب.

وفي زمن تحكمه السرديات، لم يعد الصمت خياراً ولم تعد البيانات التقليدية كافية؛ فالدولة التي لا تقود روايتها ولا تحمي رأيها العام داخلياً وخارجياً ستجد نفسها دائماً في موقع الدفاع، بينما يكتب الآخرون قصتها نيابة عنها… وربما ضدها.

 

 

الأكثر قراءة

النهار بيديا 9/21/2026 11:05:00 AM
نعى الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم شقيقه الشيخ أحمد بن راشد آل مكتوم، الذي تُوفي صباح اليوم الاثنين، مستذكراً إياه بالدعاء، فيما كان الراحل شخصية بارزة في المجالات الأمنية والرياضية والاقتصادية في دبي، وشغل منصب نائب رئيس شرطة دبي والأمن العام وترأس نادي الوصل.
شمال إفريقيا 9/24/2026 7:22:00 AM
يحتفظ الملك بصلاحيات واسعة في تحديد التوجّهات السياسية وملفات الدفاع والشؤون الخارجية.
لبنان 9/23/2026 8:25:00 AM
المتّهم اعترف بارتكابه هذا الفعل، فيما تستمر التحقيقات بإشراف القضاء المختص لكشف كامل الملابسات والدوافع.
سياسة 9/23/2026 5:45:00 AM

يُضرب موعد مع الإضرابات والتحركات المطلبية الأسبوع المقبل، مع رصد الاجتماعات العمالية هذا الأسبوع لتحديد خريطة الاعتراض الشعبي على موجة الغلاء. فمن يتحرك؟ وما مدى الاستجابة للمطالب؟