14-07-2019 | 23:08
أحمد قليج يرسم تعابير الأرض الخراب ومتاهات الروح السوريّة في "غاليري جانين ربيز"
أحمد قليج يرسم تعابير الأرض الخراب ومتاهات الروح السوريّة في "غاليري جانين ربيز"
Smaller Bigger

لا يكتفي الرسّام السوري أحمد قليج بالتقاط مظاهر الوجع والتيه والكارثة التي تنبئ بها أحوال السوريين، وأجسامهم، ووجوههم، وسطوح اللوحات وخلفيّاتها، بل يلج إلى تعابير الأعماق، أعماق القامات، وأعماق الوجوه، مستجليًا وجدانها الفرديّ والجمعيّ، وما يندفن في طيّاتها ممّا يبقى بعد لحظة الرسم والتعبير. معرضه الحالي في "غاليري جانين ربيز"، ابتداءً من العاشر من تموز الجاري إلى 16 آب المقبل، يمثّل خلاصة التجارب التعبيريّة التي دأب الفنّان على الغوص في مختبرها التراجيدي، مقدّمًا مانيفستًا تشكيليًّا خالصًا للمأساة السورية المفتوحة على هواجس النزف الأبكم وأسئلة المصير.

يهتمّ الفنّان بالتأليف اهتمامًا صارمًا، يسم لوحات المعرض، بكياناتها، بقامات أجسادها، بقواماتها، وفضاءاتها وسطوحها. لكن ثمّة موضوعًا واحدًا، أثيرًا وآسرًا، يلحّ أحمد قليج عليه، ولا يخرج على تيمته. الموضوع هذا، هو سوريا أرض الخراب، وهو السوريّون مادّة هذا الخراب. يستولي الموضوع على ريشته، وعلى ألوانه، وعلى الضربات التي تعبّر أكثر ما تعبّر عن أدقّ ما يعتري النفس البشريّة إزاء خراب المكان وخراب الروح وخراب الجسد، حيث لا ارتجافة مستبعدة، ولا قشعريرة، ولا نظرة ذاهلة، ولا هلوسة غائمة، ولا اختلاجة روح، ولا حشرجة، ولا ذهول فجيعة وسكونها، وحيث لا لون مستبعدًا. تتجسّد في هذا كلّه، وتجثم على السطح التشكيليّ وفي خلفيّاته، لغة التشكيل العنيف – الهادئ، حيث يمتزج الجنون بتقنيات التعبير المنضبط، ومآثر القتل بترميزاته، وفلسفة التيه بحطام الحياة وركاماتها، أكان ذلك في القامات أم في الوجوه، وهما مادّتا المعرض الأساسيّتان. ذلك يضفي على الأعمال، لا ما يستدرّ الشفقة الاستعراضيّة، بل ما يستدرّ الذهول الفنّيّ والإنساني معًا. هذا يمثّل في ذاته، خصوصيّةً تشكيليّةً تعطي الانطباع شبه اليقينيّ بأن الفنّان منغمسٌ حتى النخاع الشوكيّ في موضوعه، بشقّيه: الوجوه والقامات. إلى درجة ان المتلقّي الرائي، يلتفت في معرض أحمد قليج، إلى أن الرسّام قد لا يكون يرسم آخر، أو آخرين، بقدر ما يرسم أحوال ذاته، جسده، نظراته، ومشاعره، ومأساته، حين تتقمّصه وجوهُ الناس وتعابيرهم وقاماتهم. هو يتوحّد بموضوعه، مرموزًا إليها بالرجل، أو بالمرأة، أو بالطفل، أو بالجماعة التي يرسمها، أو بالخواء مطلقًا، حيث يقتنص جوهر ملامحه، باللون مثلًا أو بتوتّر الضربة، أو بالصرخة المكتومة والملجومة. يصير الرسّام هو إيّاها بامتياز. ذلك ناجمٌ بالضرورة لا عن حكم العادة والتكرار والصنعة، بل عن "الألفة المأسويّة" بينه وبين موضوعه، وجوهًا وقامات، وهم ضحايا وشهداء وأكباش محرقة في الليل السوريّ البهيم.