وساطة ساترفيلد: أي دلالات جديدة؟
Smaller Bigger

يكتسب استئناف الوساطة التي يقوم بها مساعد وزير الخارجية الاميركي لشؤون الشرق الادنى ديفيد ساترفيلد حول الحدود البرية والبحرية بين لبنان واسرائيل اكثر من مغزى من حيث التوقيت والظروف، فضلاً عن المضمون. ففي عزّ المواجهة الاميركية الايرانية التي احتلت جزءاً مهما من زيارة ساترفيلد، ابلغ الاخير الى المسؤولين اللبنانيين، كما الى السفراء الاروبيين الذين التقاهم بعد ظهر الاربعاء، ان بلاده وجهت انذارا حقيقيا الى ايران من تحرك اي من ادواتها في المنطقة، اكان في العراق حيث تنظيمات وميلشيات تعود الى الحشد الشعبي او في لبنان او اي مكان آخر يمكن ان تستهدف فيه المصالح الاميركية. وبحسب المعلومات التي امكن جمعها من اللقاءات التي عقدها ساترفيلد، فانه ابلغ المسؤولين ان الولايات المتحدة لن تقف متفرجة على اي استهداف لمصالحها ايا تكن وفي اي مكان، وان الانذار الاميركي ليس إنذاراً على طريقة الرئيس السابق باراك اوباما بل وفق اسلوب الرئيس دونالد ترامب. والاشارة الى اسلوب او طريقة باراك اوباما تتعلق بالتحذير الذي كان وجهه الى النظام السوري راسماً امامه خطا احمر لعدم تجاوزه في استخدام النظام للاسلحة الكيميائية ضد شعبه والذي لم يلتزمه الرئيس الاميركي انذاك. في حين ان الاشارة الى اداء سيكون مختلفا، يعني ان اي اعتداء من اي نوع كان سيقابل برد قاس وفق ما فهم المسؤولون من ساترفيلد من دون ان يلغي انفتاح الولايات المتحدة على اتفاق مع ايران اذا قررت التفاوض بحسب الديبلوماسي الاميركي.

الجانب المهم في الوساطة المستأنفة تأتي في ظل سعي اميركي الى تحييد لبنان عن اي مواجهة محتملة من خلال نزع صاعق تفجير محتمل يمكن ان يصيب لبنان او يشمله في ظل المصالح التي يرتبط بها "حزب الله" مع ايران. وهذا امر مهم انطلاقا من ان اي مواجهة محتملة يمكن ان تحصل في سوريا والعراق وربما في الخليج فان المصلحة الاميركية في تحييد لبنان من خلال الوساطة من اجل ترسيم الحدود تتلاقى مع مصلحة لبنانية رسمية راهنا، من غير المرجح انها حصلت من دون رضى الحزب او في ظل عدم موافقته. الامر الذي يعني الكثير جداً على مستوى ما تعكسه من عدم رغبة الحزب في الانخراط في اي حرب قد تكلفه الكثير كما تكلف الكثير لابناء الطائفة الشيعية في شكل خاص كما الى لبنان، علماً ان احتمالات الحرب تبقى غير محسومة ولو انها ستحصل، يصعب القول ان الحزب سيبقى بعيدا منها دفاعاً عن ايران وفق ما يؤمن كثر. في اي حال، ان العامل الثاني المهم هو تحرك الوساطة من اجل ترسيم الحدود على خلفية استعدادات للمرونة ابداها الاميركيون والاسرائيليون ورغبة في حصول اتفاق. واذا اخذ عامل الربط القسري المزمن لأي حلحلة للحدود بين لبنان واسرائيل بالواقع بين سوريا واسرائيل في موضوع الجولان، فان المرونة اللبنانية مهمة جدا ولها مغزاها الكبير لجهة الفصل بين المسارين اللبناني والسوري ولو ان لبنان لا يذهب الى توقيع اتفاق سلام مع اسرائيل في معزل عن سوريا. لكن بالعودة الى انسحاب اسرائيل من جنوب لبنان في العام 2000 والتي تحل ذكراه التاسعة عشرة الاسبوع المقبل، فان النظام السوري جن جنونه من هذا الانسحاب. وهذا يعني ان المتغيرات الكثيرة التي حصلت في الاعوام الاخيرة كان لها تأثيرها ولم يعد في امكان لبنان تجاهلها انطلاقاً مما حصل للنظام السوري وتحرك لبنان بعيداً منه في ملف الحدود، علما ان الجولان المحتل اقرت الولايات المتحدة لاسرائيل بسيادتها عليه. وتاليا بات لبنان ملزماً في تلازم مسارين مختلفين عن تلازم المسارين اللبناني والسوري وهو تلازم الترسيم البري والبحري. كما ان الكرة تتدحرج ويمكن ان تتدحرج اكثر في موضوع المنطقة بحيث لا يستطيع لبنان لا ان يخاطر ببقاء اموره معلقة او ربما يتم وضع اليد عليها كامر واقع ربطا بما هو متوقع من "صفقة القرن"، كذلك من دون ان يخاطر بخسارة امكان استثماره للثروة النفطية فيما اقتصاده في حال انهيار. اضف الى ذلك، ما يعنيه احتمال الترسيم من الانتقال في موضوع تنفيذ القرار 1701 من حال وقف العمليات العسكرية الذي لا يزال معمولاً به حتى الان الى وقف النار.