.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
شكرا على الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة
عشرة ايام تقريبا فصلت بين بداية اطلاق المؤشرات التحضيرية للرأي العام اللبناني حيال دخول البطريرك مار نصرالله بطرس صفير حال الاحتضار وجنازته المهيبة الكبيرة امس في بكركي كانت كافية للحض على اعادة قراءة ابعاد هذا الانجاز الاخير الذي حققه البطريرك الراحل قبل ان يوارى في مدافن البطاركة الموارنة في بكركي. والحال ان لا غلو في تلمس يقظة واضحة المعالم اعاد احياءها حدث طبيعي قياسا ببطريرك عمر 99 عاما ولكنه استحال حدثا استثنائيا لانه اقترن باسم استثنائي وكذلك بظروف جائرة ظالمة اضافت الى الحدث الحزين ابعادا مثقلة على اجيال محبي هذا البطريرك – القائد – الرمز. جمع البطريرك صفير بلا شك الكثير مما أهله لجعل حدث وفاته فعل ايقاظ لشيء ما افتقده اللبنانيون عموما في الظروف التي تناوبت عليهم سواء قبل استقالته او بعدها. ولكن ما بدا من ايام الوداع الاخيرة بلوغا الى يوم الوداع الاخير عكس ما يفوق البعد القيمي والعاطفي والاعجابي الذي طبع سيرة البطريرك الراحل بعدما تحول الى الرمز الاول للنضال من اجل السيادة اللبنانية الناجزة. كأنها كانت ايام الوداع وايضا ايام الاستفاقة من غفوة "وطنية" مديدة وطويلة لم يعد يعثر كثيرنا في يومياتها على ما يشفي الغليل الى استعادة ادبيات تلح على اللبنانيين للعودة والا ظلت يومياتهم تغرقهم في مزيد من الضحالة والجفاف والسخافة والجاهليات التي تصدرها غالبية الطبقة السلطوية والسياسية. قلما استقطب رمز لبناني احتراما مماثلا لذاك الذي برز في الايام الاخيرة التي امضاها البطريرك الراحل على الارض قبل دفنته الابدية. وهو امر لا يمكن تجاوزه في قراءة دلالات الجنازات التي غالبا ما تتشكل رمزياتها من سيرة الراحلين قبل المرور بشكليات البروتوكولات والقواعد والطقوس والاعراف سواء كانت كنسية ام مدنية. ثمة عظماء في العالم لم يعودوا يحملون "اللقب" يوم جنازتهم او فقدوه. البطريرك مار نصرالله بطرس صفير ابن ريفون المتواضع والبطريرك الصخري في آن معا بدا في ايام وداعه الاخيرة كأنه يحرك عملية اعادة حسابات لدى الذين قطعوا مع ماض قريب نضالي وسلموا بيأس من نفض هذا الخنوع الوطني المتسع مع قضايا وازمات اختلفت طبيعة معظمها عن ايام البطريرك صفير ولكن الجوهر السيادي الاستقلالي بين الطبعتين لم يتبدل الا قليلا جدا. لذا فان معاينة الحشود المتوثبة للوفاء للبطريرك الراحل ورفع ايات الاحترام لقيمته العملاقة لم يكن حدثا عابرا ونافلا. مثل هذا الاستقطاب الشعبي الحار الصادق ولو كان منظما لدى احزاب وقوى وتيارات لا يمكن تحقيقه بسهولة لو لم يكن الراحل صاحب مهابة بهذا المستوى. لعلنا نبالغ في التعويل على ان تكون ايام الوفاء والوداع بمثابة الوصية الاخيرة لصاحب الذكرى. ولكن لم لا؟ فاذا كانت مؤشرات الاستقطاب والاعجاب والوفاء والتعلق بالقيم الايمانية امتزجت مع توق اللبنانيين الى رموز يعبرون عن جوهر الحقيقة اللبنانية فمعنى هذا اننا رأينا في وداع البطريرك صفير آخر مآثره الباقية في نفوس اللبنانيين وعمق وجدانهم فعلا.