تخيير اللبنانيين مجدداً: أيّ تبعات؟
Smaller Bigger

حين زار وزير الخارجية الاميركي مايك بومبيو لبنان في 24 آذار المنصرم، خيّر اللبنانيين في كلمة ألقاها من مبنى وزارة الخارجية بين "المضي قدما كشعب أبيّ او ان تسمحوا لطموحات ايران وحزب الله بأن تسيطر وتهيمن عليكم". وبعد ما يزيد على أسبوعين عن الكلام الاميركي، خيّر الامين العام لـ"حزب الله" في المقابل اللبنانيين "بين ابقاء البلد في دائرة السلام الداخلي او الاستجابة لمن يجرّهم الى الفتنة"، كما قال. وبالنسبة الى لبنان، فإن الولايات المتحدة من اهم الدول في العالم واكثرها تأثيرا، غير أنها أبرز داعم وممول للجيش اللبناني ولقطاعات واسعة، وتملك أوراقا متعددة للضغط على لبنان، في حين أن "حزب الله" هو أحد المكونات الطائفية الذي استطاع أن يحكم السيطرة على غالبية الطائفة الشيعية تمثيلا ويملك واقعيا أوراق زعزعة الاستقرار اللبناني باعتباره تنظيما مسلّحا. لكن نقطة ضعف مهمة برزت في خطاب السيد نصرالله في يوم الجريح، تتصل بارتباط الحزب الاقليمي وفق ما برز في دفاعه عن الحرس الثوري الايراني وما اذا كان امكان الرد المحتمل الذي لوح به في ضوء الخيارات المفتوحة التي يملكها الحزب يمكن أن يؤدي الى التضحية بلبنان لمصلحة إيران، وكيف يمكن ان يخدم ذلك محاولات النهوض الاقتصادي في ضوء الاعتماد الحتمي على الخارج راهنا. بين الخيارات التي طرحها الجانب الاميركي وتلك التي طرحها الحزب، تبدو الخيارات صعبة خصوصا ان الضائقة المالية في البلد كبيرة ووضع الدولة اللبنانية ككل في حال صعبة. فإذا اعتمد لبنان الخيار الاميركي فإن تهديد نصرالله بالمرصاد لجهة قدرة الحزب على إثارة مشكلات كبيرة للبنان، كما ان الولايات المتحدة قادرة بدورها على إثارة مشكلات كبيرة للبنان. والانشغال راهنا بالواقع الاقتصادي وحتمية إنقاذ البلد بالاستناد الى التحذير الاقوى الذي اطلقه رئيس الحكومة سعد الحريري من خلال اشارته قبل يومين الى السيناريو الذي عاشته اليونان يؤجل عملانيا احتمال اختيار لبنان الرسمي اي سلوك يجب اعتماده، وما اذا كانت عملية كسب الوقت عبر هذا الانشغال ستتيح له عناصر التوفيق بين الخيارات التي وضعت أمامه إذا كان قادرا على ذلك. المشكلة كما تقول مرجعية سابقة ان هذا الانشغال الحالي لا يعفي لبنان من مواجهة الخيارات الموضوعة أمامه، أولا في ظل مراقبة الولايات المتحدة عن كثب تطورات الواقع اللبناني الذي تريده متوازنا، وثانيا في ظل احتمال او ترجيح تحرك الدول الممولة والمساعدة في مؤتمر "سيدر"، إذ إن فرنسا بالذات التي تؤدي دورا محوريا في هذا الاطار كانت وعدت المملكة العربية السعودية في أثناء أزمة استقالة الرئيس الحريري من الرياض ان تأخذ على عاتقها الدفع في اتجاه ان يبحث لبنان في موضوع الاستراتيجية الدفاعية في الحكومة المقبلة، اي الحكومة الحالية التي قامت بعد الانتخابات النيابية، وهي تطلب بدورها ان يكون الواقع السياسي متوازنا ولا يسيطر عليه الحزب. وهناك اليوم مبررات تخدم فرنسا وتعفيها من التزام وعودها في ظل المخاوف من انهيار البلد اقتصاديا وماليا، لكن عملية كسب الوقت للبنان قد لا تستمر طويلا، خصوصا أن هناك تحديات أخرى. وليس واضحا ما هو المدى الذي يمكن ان تستفيد منه فرنسا في إعطاء لبنان فرصة، بعيدا من تشديد العقوبات الاميركية، وفي ظل اي شروط او بنود، وما اذا كان الأمر يتصل بالتهدئة السياسية او ابعد من ذلك، علما ان هناك اكثر من مسؤول دولي يؤكد استبعاد حصول مواجهة او حرب بين اسرائيل والحزب، ولو ان الامر يبقى رهنا باعتبارات الاطراف المعنيين بأي حرب مقبلة.