لا لذهنية "كوجك كينارجي" في زيارة الرئيس لروسيا
Smaller Bigger

تشكّل "وثيقة الأخوّة الإنسانيّة" التي أعلنها البابا فرنسيس وفضيلة الإمام الأكبر شيخ الأزهر أحمد الطيّب نقلة حضاريّة جبّارة في وسط عالمنا الذي يتخبّط في أشنع مظاهر البربريّة التي ترتكز على التشدّد الديني والكراهيّة العرقية وسائر أشكال التقوقع على هويّات عدّة تدّعي كلّ منها تفوّقها على غيرها. مما جاء في هذه الوثيقة التاريخيّة التوصية الملحّة أنه "يجب العمل على ترسيخ مفهوم المواطنة الكاملة في مجتمعاتنا، والتخلّي عن الاستخدام الاقصائي لمصطلح الأقليّات الذي يحمل في طيّاته الاحساس بالعزلة والدّونيّة، ويمهّد لبذور الفتن". ولم نزل نسمع في لبنان ومحيطه العربي والأوروبي كلام عن أغلبيّات وأقليّات يذكّرنا بويلات القرن العشرين وما سبقه من هدر دماء البشر باسم الدين أو باسم العرق. الإنسانية هي واحدة كما أن الله هو واحد. أجناس البشر بأسرها تشكّل عائلة واحدة. لذلك من المستحيل أن يكون أي إنسان عدو لأخيه الإنسان الآخر إلى أي دين ينتمي مؤمنا كان أو غير مؤمن.

زيارة الرئيس اللبناني إلى موسكو أظهرت دلالات عدّة عن وزن الإرث الثقيل لما كان يعرف باسم "المسألة الشرقية" وهو مصطلح يستخدم لوصف تدخّل الدول العظمى الأوروبيّة في شأن الإمبراطورية العثمانية طوال القرن التاسع عشر حتى نهاية الحرب العالمية الأولى. يتفق المؤرخون على اعتبار تاريخ ولادة أو ظهور هذه الإشكالية الاستراتيجية في عام 1774، وذلك في أعقاب هزيمة العثمانيين أمام جيوش الإمبراطورة الروسية كاترين الثانية وتوقيع معاهدة كوجك كينارجي وهي مدينة تقع اليوم في بلغاريا. فبعد هذه الهزيمة المدويّة فقدت الدولة العثمانيّة سيادتها على شبه جزيرة القرم ومساحات شاسعة من بلاد نهر الدانوب. وفرضت المعاهدة على السلطان عبد الحميد الأول بنودا حول حقّ روسيا في حماية المسيحيّين الأرثوذكسيّين (الروم بشكل خاص). ومن ثمّ لعبت فرنسا والنمسا دور الحماية لصالح الجماعات الكاثوليكيّة المختلفة. وبقيت الحال هكذا حتى نهاية الحرب العالمية الأولى سنة 1918، وربما بسبب الثورة البولشفية وتفكيك السلطنة العثمانية همد طرح المسألة الشرقية بشكلها الاستراتيجي السابق الذي يستعمل حجّة "حماية الأقليّات المسيحيّة في الشرق". إذا نظرنا إلى الانتصار العسكري الروسي في سوريا اليوم وتأثير السياسة الروسية فيها هل نستطيع أن نجد أو نسمع صدى لذهنيّة كوجك كينارجي عند البعض في عصرنا؟ شكلت الحالة السورية منذ 2011 عاملاً أساسياً لأطلاق كلام كثير يدل ربما عن مشاريع سياسية تتقنّع بحجج حماية الجماعات الدينية والطائفية ليس من منطلق الدفاع عن حقوق الأنسان ولكن حصريا من منطلق الانتماء إلى هويّة جماعية ما.