يكثر رئيس الوزراء التركي رجب طيب اردوغان من اطلاق الاوصاف على أخطر أزمة سياسية يواجهها منذ وصوله الى السلطة قبل اكثر من عقد. لكن الامر الاكيد الذي يدركه الرجل هو ان التحقيقات في الفساد التي ارغمته على اجراء تعديل وزاري واسع بعد استقالة عدد من الوزراء والنواب من حزب العدالة والتنمية الحاكم، تستهدف شخصه اكثر مما تستهدف ايا من وزرائه او ايا من المسؤولين الذين هم قيد التحقيق الآن.
لقد جعلت الازمة السياسية اردوغان في موقف دفاعي بعدما كان طوال الاعوام العشرة الاخيرة في موقع الهجوم. فتمكن من تطويع المؤسسة العسكرية التي كانت اقوى مؤسسات الدولة التي ارساها مصطفى كمال اتاتورك عام 1923. واستطاع ان يهمش احزاب المعارضة التقليدية بعدما اتهمها بالفساد، وبدأ بفرض اجندة حزب العدالة والتنمية الذي تمتد جذوره الى جماعة "الاخوان المسلمين" على البلاد في نقض تدريجي للقيم العلمانية التي تربى عليها الاتراك منذ انشاء جمهوريتهم الحديثة. وأوشك اردوغان ان يرسي قواعد جمهورية جديدة نقيضة لجمهورية اتاتورك بعدما قلّم أظافر الجيش وحظي بثناء الغرب باعتباره الوجه المعتدل للاسلام السياسي.
وحكم أردوغان سعيداً الى ان نشبت الاضطرابات في دول عربية تحت مسمى "الربيع العربي". وسارع الى اعلان دعمه لـ"الاخوان المسلمين" في تونس ومصر وليبيا وسوريا. واعتبر نفسه الملهم للتغييرات في العالم العربي وان من شان التطورات الجارية ان تتوّجه الرجل الاقوى في المعادلة الاقليمية، الى ان كان التعثر في سوريا وعدم تمكن القوى التي ساندتها تركيا من قلب النظام بالسرعة الكافية التي كانت كفيلة بأن تجعل "الاخوان" يحكمون سوريا بعد حكمهم مصر.
وترافق التعثر الاقليمي للمشروع الاردوغاني بعد الاخفاق في إطاحة النظام السوري وتحول سوريا ملاذاً آمناً للتنظيمات الجهادية، ثم أتت إطاحة الجيش المصري "الاخوان" في مصر لتطيح كل الاحلام الاقليمية لاردوغان. وترافق الاخفاق الاقليمي وبداية اخفاق في الداخل مع انفجار التظاهرات في اسطنبول احتجاجاً على مشروع كان يعده اردوغان لحديقة غيزي. وتبين لاحقاً ان التظاهرات التي تمكنت الحكومة من قمعها بالقوة ما كانت سوى تعبير عن حال الاحتقان الشعبي من سياسات حزب العدالة والتنمية.
وحال الارتباك التي عاشها اردوغان جعلته ينقلب على الداعية الاسلامي فتح الله غولن الذي كان يعتبر من اقرب حلفاء حزب العدالة والتنمية وكان له الفضل في انتخاب الحزب ثلاث مرات تواليا. واذا كان هذا الانقلاب يفسر الكثير مما يجري من احداث في تركيا اليوم، فإن اردوغان يعيش أصعب ايامه ان لم يكن يشارف نهاية عهده.
نبض