13-12-2018 | 23:10
معرض أناشار ميشال بصبوص في "غاليري صالح بركات" \r\nالنحت الذي يبني للذاكرة شموساً بهية والإبن الذي هو سرّ أبيه
معرض أناشار ميشال بصبوص في "غاليري صالح بركات" \r\nالنحت الذي يبني للذاكرة شموساً بهية والإبن الذي هو سرّ أبيه
Smaller Bigger

يؤكد أناشار بصبوص، ابن النحات الراحل ميشال بصبوص، في معرضه الجديد الذي يقام في "غاليري صالح بركات" إلى 30 كانون الأول، عمق ما وصلت اليه تقصياته في عالم التداخل الهندسي. كأن للجينات الوراثية في النحت دلالات إبداعية تتجاوز الخط الحداثي الذي ابتدعته عائلة الأخوة بصبوص للوصول الى تجارب جديدة.

تخضع الكتلة النحتية بالنسبة إلى أناشار بصبوص لحلول مختلفة تتبع علوم الحياة مع تداعيات اشكال الدائرة التي تنقسم جزئيات حيوية تلتحم أو تغوص كي تعبّر في حركة مفتوحة او مغلقة عن مفاهيم العلاقة بين الفراغ والزمان، وعن علاقة الانسان بالكون، وتعبّر في جوهرها عن مأزق الحياة المعاصرة. فالتطور الذي نشهده في مختلف العلوم يشرح لنا كيف ان الانسان المعاصر قد أخلّ بالتوازن البيئي للطبيعة اخلالاً شديداً، ولا سيما بعدما استندت دائرة الحياة إلى عالم جديد للطاقة.

يقدم أناشار بصبوص أشكاله النحتية في مشهدية مؤثرة، متأتية من الضخامة التي تفرض نفسها على العين، ومن طريقته في تفكيك المواد غير التقليدية وتطويعها، علاوة على الخامات النحتية الجديدة، كأدوات للصناعة النحتية التجريدية، التي آلت إلى ريتشارد سيرا رائد فن النحت الذي تحوّل نحو المينيمالية مع مشاريع طموحة استعمل فيها مادة الصلب غير القابل للصدأ، كما أدخل الزائر الى تلافيف وريقات وروده المنصوبة في الساحات العامة أو تلافيف دوّاماته المفككة المفتوحة على المطلق، وذلك بعدما ضاق حيز التماهي بين ما يسمّى النحت والمعمار.

يرى بصبوص الإبن في النحت، ليس الشكل بهندسته الرياضية ومهارة تركيبه فحسب، بل بالفكرة المتضمنة للشكل، لأن النحت منذ الآن فصاعداً بات متعلقاً أكثر بعميلة الرؤية، اي بالمسار والحوافي والسطوح والانزياحات، والفراغ الخفيّ الكامن بين السفح والذروة.

في تجاربه الأخيرة التي تمتد لأكثر من عقد، أيقظ أناشار بصبوص في مساره النحتي روح الأشكال الهندسية النائمة في الدائرة، وفق نظام لتجريد بنائي تركيبي، تتجلى في مكوّناته بساطة تأليف الشكل الهندسي وتوليفه بين الانقسام والانشطار، والالتحام والتغلغل والتكرار والتشظي، وفق حركة تراكمية واحياناً لولبية تتجمع وتتنابذ كأنها أجنحة من لهيب يتصاعد أو من صفائح منسية لفحتها الرياح. ثمة حركة يرسمها النمو العمودي لأطباق كاملة يتراكم بعضها على حافات بعض، وثمة اشكال نصف كروية تتقاطع لتقترب من الأشكال الهلالية، وهي تبعث في تنوعاتها اللانهائية السؤال عن قدرة الهندسة على اختراق الثبوت والرهان على الاحتمالات التي لا تزال في اعمال أناشار تركن الى التجاذب الكتلوي لأجزاء المنحوتة. وهي احتمالات بنائية جديدة من شأنها أن تؤسس، كما أسست المستقبلية من قبل، لبنيان هندسة التفكيك للكتلة في الفراغ، وهي متداولة في العمارة المعاصرة. لذا يخوض بصبوص الإبن في حقول المادة نفسها واحتمالاتها من خلال استعمال الصلب المطلي والخرسانة والبلكسي المطلي بمادة بلون الصدأ والستانلس ستيل، فضلاً عن مخلّفات القطع الحديد الشبيهة بسكّة القطار. إنها السكك المقطوعة من زمن آخر، المتناثرة الشبيهة بحطام الذاكرة، جمعها النحّات شموساً بهية في الفضاء. انها اشبه بتركيبات حركة بنائية لشبكة دوائر تتكوّن فيها ايقاعات تحمل بذاتها طاقاتها من جرّاء تحوِّل الداخل الى الخارج في عمليات تجسيد فراغات في الدوائر كعناصر نحتية بسيطة ونقية. هكذا يلعب الفراغ جزءاً لا يتجزأ من النحت.