في موضوع الحقيقة، تنفردُ اللغة الإغريقية باختيار مُفردة لا تُشتقُّ من صفة "حقيقي"، كما هي الحال في اللغات التي نعرفها: Verum من Veri في اللاّتينيّة، وVérité من Vrai في الفرنسيّة، و Truth من True في الإنكليزيّة، و Wahrheit من Wahr في الألمانيّة. ففي لغة الإغريق، ينبثقُ مصطلحُ "الحقيقة" من كلمة مركبةٍ ومبنيةٍ على صيغة النفي "اللّانِسيان" (Alètheia αλήθεια). نتساءل هنا لماذا التجأت العبقرية اللغوية اليونانية إلى مسألة النِسيان في مقاربتها الحقيقة؟ في الفلسفة اليونانية القديمة، وعلى نحو أخص في الفلسفة السقراطية والأفلاطونية، يتبدى لنا بشكل واضح أن معرفة الحقيقة إنما هي "تذكُّرٌ" و"لا نسيان" ليس إلا. فالحقيقة الكاملة تستوطن داخل الانسان، ولكن هذا الأخير يتفنّن في إيجاد الوسائط الفعالة للهروب من ذاته والإقامة في مساحات الغربة عن الذات، عبر شتى أنواع اللّهو والانقطاع إلى تنمية روابطه بعالم المحسوسات، حيث يتنافس البشر، على حد قول أفلاطون، في مَلءِ أجاجينهم المثقوبة بكل خيرات الأرض الزائلة. فالانسان مفطور على هجر ذاته و"نسيان" الحقيقة الموجودة في داخله وإغفالها. من هنا، وبوجيز الكلام، في اللغة اليونانية، الحقيقةُ هي "عدمُ النِسيان".
في مطاردة الحقيقة الهاربة عبر "عدم النسيان"، يتيقَّنُ الانسان أن الثابتَ في حاضرِه هو التغييرُ، والواضحَ في مستقبله هو الغموضُ. وفي حركيّة هذا الوجودِ وتبدليّته وضبابيّته، يسعى الانسانُ، ذلك الكائنُ اللُّغز، العظيمُ والهشُّ في آنٍ، الملقى في جدليّةٍ حياتيّةٍ لم يخترها ولم يكن هو في أصلها، بل أتته عبر الآخر، إلى تحقيقِ ذاتِه. ومن سمات هذا الكيان البشري الأساسية أنّه مسكون أبداً بالقلق، يُفتّشُ من دونِ هَوادة عن حقيقةِ ذاته وحقيقة الكون المرمي فيه.
منذ البدء، لم يحصر الانسان تفتيشَه في العالم المحسوس، بل تذهَّن عبر الحس الماورائي والاستدلال المنطقي وجوداً آخر هو في أصل وجودنا وفي مصبِّه. والمحفِّزُ في هذه المغامرة المعرفية هو اكتشافُ العقل لذاته كطاقة إدراكية محدودة. وهكذا كلما حقَّق العقلُ انتصاراً على خفيَّات الوجود وسكبها في نظرية جديدة، هلَّلت الأوساط العلمية والبشرية بأسرها. غير أن هذه الأخيرة تكتشفُ أنَّ ما هلّلت له كان في الواقع بعيداً عن الحقيقة. فتُعِدُّ آنذاك موكباً جنائزياً لائقاً لدفن النظرية التي حسبتها ردحاً من الزمن قفزةً نوعية في حقل المعرفة والسيطرة على أسرار الوجود، وتهلّلُ مجدداً لبزوغ نظرية جديدة تعتبرها اكثر دقة وأقرب من الحقيقة. وهذا الأمرُ بالذات دفع بالناقد النمساوي المتبحِّر في مبادئ العلوم وأصولها المنطقية كارل پوپر (Karl Popper) إلى القول إنَّ الطابَع العلمي لنظرية رصينة ومتينة، إنما يقوم على إمكانية دحضها. امام هذا الواقع، لم يرَ بعضُ المحللين مغالاةً في التأكيد أن التاريخ هو مقبرة النظريات. ويحضُرني هنا أيضاً، وخصوصاً ما ذهب إليه عالمُ الرياضياتِ والمنطقِ والفيلسوفُ النمساوي لودفيغ فيتغنشتاين (Ludwig Wittgenstein)، عندما قال إن الإيمانَ بالله إنّما هو نتيجةٌ مباشرة لهزيمة العلم.
لذلك علينا أن نتعامل مع مبدأ الإيمان لا كزبدٍ مرضيٍ لاختلالٍ في وظائف العقل، كما استساغت تصورَه النظرياتُ الإلحادية، بل كمعطىً إنساني عقلاني مغروزٍ فطرياً في جوهر الطبيعة البشرية. فالانسان يتنفّس الماورائيات، شاء أم أبى. بيد ان هذا المبدأ لا يبرر البتة نشوء أديان لا تقيمُ أيَّ وزن لحرية الانسان وكرامته، ولطاقاته العقلية وحاجته الدائمة إلى التفتيش عن الحقيقة، وتُكرهُ بالتالي البشر على الارتماء في حضن الكفر والإلحاد. فالتفتيشُ صفة لصيقة بجوهر الإنسان الذي يعي ذاتَه في معادلة البحث الدائم عن مصدر حياته وصيرورتها. والاستكانة الفكرية والماورائية حالةٌ مرضية خطيرة، تؤدي من ناحية إلى وقف البحث وخنق شعلة المعرفة المتوقِّدة على إيقاع النقض والتفتيش أبداً عن الأقل خطأً، ومن ناحية ثانية، إلى إطلاق الحركات الدينية الأصولية المستندة إلى هذيان ماورائي قائمٍ على الاقتناع الكامل بامتلاك الحقيقة المطلقة.
إن الإيمانَ العاقلَ والعقلَ المؤمن، اللذين يقتاتانِ من اﻟــ Alètheia، من "عدم النسيان"، يتمظهران في فكر ماورائي وديني يُطوّرُ في الانسان طاقةَ المحبةِ والمصالحةِ والانفتاح على الآخر المختلف كجزء من الذات، ويُعزّزُ باستمرار قاعدةَ التلاقي في الغيرية وتآلف الاختلاف، ويُشيِّدُ مدينةً للانسان، تكونُ "خباءَ الموعد" مع الله.
جامعة الروح القدس – الكسليك
نبض