تحت الضوء - رئيف خوري ذكّرني بجهلي

3 كانون الأول 2013 | 00:00

من عاداتنا الشرقية، الزينة على الموائد. عشرات الصحون تبقى، ثم يرمى ما بقي فيها من طعام كثير، والآخر الذي لم يمس، بعد أن يكون الطاعمون قد شبعوا، وأتخموا أجسامهم بما لذ وطاب من ألوان الطعام والشراب. أكره هذه العادة، كما أكره الزينة في الأسماء والألقاب. لا أحب أن يعرفني شخص إلى آخر بالأستاذ، وأوثر أن أعرف بالأخ، أو الرفيق، بالرغم من أنني لا أنتمي إلى أي حزب سياسي، أو فكرة سياسية، أو عقيدة قومية أو دينية.

أرجو أن لا يفهم القارئ أنني أقول هذا الكلام لأظهر شيئاً من التواضع. أنا أبعد ما أكون عن الأستاذ أو المعلم، ولست جديراً بهذا اللقب. لست ملماً بهذه اللغة العربية التي ما زلت بها ألحن، وأرتكب الخطأ تلو الخطأ. وإن كتبت مقالاً في الإنكليزية لجأت إلى إبني أستشيره، وأسأله تصويب ما أحدثه من أخطاء في لغة وليم شكسبير. حتى في الفرنسية والإسبانية والبرتغالية أخشى، إن دخلتُ في حديث مع المتكلمين بها، أن أتوسع في المواضيع فتظهر حدود معرفتي.
أذهب إلى أبعد من ذلك فأقول، إنني لست حتى طالباً مجتهداً، أو قارئاً مجتهداً. قلتها وأقولها مجدداً، لا أريد أن أبدو كمن يظهر شيئاً من التواضع، لكنه الحق كل الحق. بعد هذا، لا أرى من الحكم والأمثال أفضل من القول "رحم الله أمرأً عرف حده فوقف عنده" والقول الآخر، وأظنه لسعيد تقي الدين منقولاً من كتب الحكمة الصينية "حذار أن يطفو على نفسك ما ليس في قعرها".
أشعر بأنني جاهل وأجهل ما يدور حولي من كواكب العلوم والمعارف. لم أقرأ حتى الآن كتاباً مثل "الكوميديا الإلهية" لدانتي، ولا آخر مثل "رسالة الغفران" لإبي العلاء. لم أقرأ المعلقات، مشروحة ومن غير شرح. لم أختم القرآن كله ولا العهد القديم كله. لم أقرأ ديوان المتنبي، ولا ديوان أبي نواس، ولا ديوان أبي تمام، ولا دواوين غيرهم من شعراء العصر العباسي، وما قرأت من هذه الدواوين هو بالعشرات وليس بالمئات.
لم أكمل بعد كتاباً سخياً مثل "ألف ليلة وليلة"، ولم أفتح كتاباً مثل "قصة مدينتين" لتشارلز ديكنز، ولا رواية "الأم" لمكسيم غوركي، ولا "الغثيان" لجان بول سارتر، مع أنها أشهر أعماله الروائية. لم أقرأها، لا في نصها الفرنسي العصيّ عليَّ، ولا في نصها العربي الذي وضعه لنا سهيل ادريس. لم أقرأ كتاباً واحداً من مئات الكتب الثمينة مثل كتاب "الأخلاق" لأرسطو، على رغم أنه كان ولا يزال، المعلم الأول كما سمّاه العرب. لم أقرأ بعد هذا الكتاب العظيم، وقد ترجمه إلى العربية قبل سبعين عاماً أستاذ الجيل أحمد لطفي السيد، كذلك لم أقرأ بعد الترجمة العربية لكتاب نفيس مثل "الإعترافات" لجان جاك روسو، بقلم أستاذنا الجليل خليل رامز سركيس.
لم أقرأ بعد، كل أو معظم، ما كتب طه حسين والعقاد وتوفيق الحكيم وجبران ونعيمة وما نظم شوقي وخليل مطران وحافظ ابرهيم وأمين نخلة وغيرهم من الأدباء والشعراء الكلاسيكيين العرب. لا أذكر هنا إسماً واحداً من أسماء شعراء الحداثة، لأنني لا أفهم معظم ما يقال من شعرهم، وهذا عيبي بالطبع وليس عيبهم.
سيقول لي قائل: على رسلك، أنت تذهب بعيداً. هل تتوقع من إنسان أن يقرأ كل هذه الكتب ومثيلاتها مما ألّف في قديم الزمان وحديثه؟ ردّي على ذلك هو أنني لا أنتظر شيئاً ولا أتوقع شيئاً. لا أتوقع من إنسان عادي أن يقرأ هذه الكتب، كلها أو بعضها، ولا حتى كتاباً واحداً منها، لكنني لا أقبل في الوقت نفسه، وأنا أستعمل هنا أدقّ المعايير، أن يقال عن عربي إنه أديب، أو أستاذ أو معلم، إذا لم يكن قد قرأ هذه الكتب، معظمها، أو بعضها في أقل تقدير.
لماذا هذه المقدمة الطويلة، في حين أن المقال عن رئيف خوري؟
الجواب هو أن رئيف خوري ذكّرني بجهلي!
أقطع بأن من القراء من لا يعرف شيئاً عن رئيف خوري، ومنهم من لم يسمع به من قبل. حاله في ذلك أفضل من حال واحد مثلي على كلّ حال، سمع برئيف خوري مفكراً وأديباً، ولم يقرأ له كلمة واحدة. إثمي محسوب، أما الذين لم يقرأوا رئيف خوري، لأنهم لم يسمعوا به من قبل فمعذورون، لا جناح عليهم ولا هم يحزنون!
ولد رئيف خوري في العام 1913 في بلدة نابيه الواقعة في مناطق المتن الشمالي من لبنان، وتوفى فيها في العام 1967. وإذ أذكره في هذه الصفحة وأذكّر به، فلأنني حضرت قبل أسابيع ندوة عنه في قصر الأونيسكو في بيروت، عُقدت لمناسبة مرور مئة عام على ولادته.
فتحت الندوة المذكورة عيني على هذا الأديب، فبدأت أقرأ ما فاتني من مؤلفاته. وضع رئيف خوري 25 كتاباً في مواضيع مختلفة من الشعر والقصة والدراسة الأدبية والفكر السياسي، وترجم خمسة كتب. هذا كله ليس بالهيّن اليسير على رجل مارس التدريس والصحافة والعمل السياسي، وترك، بالرغم من ذلك كله، إرثاً أدبياً كبيراً وهو دون الستين من العمر.
كل ما كنت أعرف عن رئيف خوري أنه أديب من لبنان، ماركسي الهوى، "تحدى" طه حسين عام 1955، ودخل معه في مناظرة كانت حديث البلد، ودارت في المكان نفسه (قاعة الأونيسكو) وكانت تحت عنوان "لمن يكتب الأديب، للخاصة أم للكافة؟".
أن يجلس أديب على منصة، في قاعة تغص بمئات الحاضرين، ويناظر، وجهاً بوجه، "عملاقاً" مثل طه حسين في موضوع دقيق أثير كالأدب، دعوة كان يمكن أن يتجنبها أي كاتب ومفكر في العالم العربي، أو تحمله على التردد والتهيب في أقل تقدير، لكن رئيف خوري فعلها بامتياز. بعض الذين حضروا تلك الواقعة، أو الخصومة، أو المعركة (أستعير هنا تعابير طه حسين) وكتبوا عن تلك المناظرة، أجمعوا على أن الأديب الشاب خرج منها "سالماً"، علماً بأن عميد الأدب العربي كان قد بلغ من العمر 66 عاماً، في حين لم يكن عمر رئيف خوري في حينه قد تعدى 42 عاماً!
ما سمعته وقرأته عن تلك المناظرة هو مجمل ما كنت أعرف عن رئيف خوري! وقد تعرفت وأنا في الندوة المذكورة إلى كريمته الآنسة دنيا، فسألتها إذا كان في الإمكان، أن تمدني بما عندها من أوراق عن حياة والدها الخاصة، وعما إذا كان لديها نسخة عن نص ما دار في تلك المناظرة الشهيرة، فوعدتني بأن ترسلها إليّ متى وجدتها.
ما دفعني إلى إعلان جهلي واعترافي بأنني لست قارئاً جيداً، هو أنني بعدما وقفت على حياة رئيف خوري، وقرأت ثلاثة من كتبه، وما قال فيه الراحلون عبد الله العلايلي ومارون عبود وعمر فاخوري، وجدتني أمام كاتب مبدع، دقيق النظر، ذي أسلوب أكاديمي جميل، لا أثر فيه للصنعة ولا للتكلف، وتساءلت بيني وبين نفسي: كيف لم أقرأ من قبل، ولو شيئاً يسيراً من أدب هذا الكاتب القدير؟
مهما يكن من أمر، فأنا لست جاهلاً إلى حد الجهل بأن ليس لدينا من الوقت لنقرأ كل شيء، خصوصاً في هذه الأيام التي تخرج فيها الكتب من المطابع، بالسرعة التي تخرج فيها الأرغفة من المخابز. غير أن هذا كله ليس حجة وليس عذراً، ولا يعفينا مما قصرنا به، وما قد فاتنا من الكتب القيمة. هذه تبعة يتحملها بنوع خاص، من يهوى منا التزين بالألقاب، ويريد أن يحسب نفسه "دكتوراً" أو "أديباً" أو "شاعراً" أو "أستاذا"، أو مثقفاً، أو حتى طالباً مجتهداً أو قارئاً رصيناً.
ما أكثرهم بيننا، هؤلاء الذين يحسبون أنفسهم كذلك، وهم في حقيقة الأمر ليسوا كذلك!

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard