"لماذا تنفِّخ على اللبن؟ لأن الحليب كاويني"!
Smaller Bigger

تقول الروايات أن جمعاً من الناس شاهدوا شخصاً "ينفِّخ على اللبن" فسألوه عن دافعه الى ذلك. فأجاب: "لأن الحليب كاويني". واذا سُيِّست هذه الرواية لبنانياً فإنها تصبح: لماذا الهلع الذي يبديه قسم من اللبنانيين من استعادة العلاقة مع سوريا الأسد؟ ولماذا رفضها ؟ فإن الجواب سيكون لأنها كوَت لبنان، ولأن "شعوبه" والمقيمين فيه عانوا ممارساتها السياسية والعسكرية والأمنية وهيمنتها وإقامتها نظاماً سورياً أسدياً في لبنان. علماً أن المجتمعين العربي والدولي أوكلا إليها بعد اجتماعات الطائف إنهاء الحرب التي نشبت بينها، وبناء دولة لبنانية مستقلة يسودها العدل والمساواة والأمن والحرية والديموقراطية، وتفتح الباب أمام توحيد "شعوبها" بتطبيق أهم بنوده ومنها جعل مجلس النواب مدنياً وإنشاء مجلس شيوخ غير شرفي. 

وكي لا يُقال في هذا المجال أن التعميم لا يجوز وأن أسباب التصرّف السوري في لبنان قومية عربية والصراع مع إسرائيل وعلاقة دمشق بجهات لبنانية وخلافات الطوائف والمذاهب على الحصص، يستطيع كل متابع لمرحلة التدخل السوري في لبنان أن يجزم أن "حليب" سوريا الأسد "كوى" الجميع واستخدم الجميع وطوّع الجميع وسخّر الجميع لخدمة أهدافه، وساهم في تأجيج الخلاف والاقتتال عند الجميع وبينهم. فالحرب المسيحية – الاسلامية كان لها دور فيها. والحرب المسيحية – الفلسطينية كان لها دور فيها. والحرب الشيعية – الفلسطينية كان لها دور فيها. والحرب الشيعية – الشيعية كان لها دور فيها. والحرب المسيحية – المسيحية كان لها دور فيها. أما في مرحلة ما بعد الحرب أي مرحلة تطبيق اتفاق الطائف فإن كلمة سوريا الأسد نفسها ما كانت لتُرفض أو لتُصبح كلمتين عند اللبنانيين. فرؤساء الجمهورية عيّنتهم هي ومدّدت ولاية بعضهم. ورؤساء الحكومة اختارتهم هي كما أبدلت رئيس مجلس النواب بعد ثلاثة أعوام من بدء تطبيق "الطائف" رغم تحالفه معها لأنه عاند قرارها المتعلّق بالتمثيل النيابي للبقاع، وأصرّ على تقليص حصة "حزب الله" فيه الذي كان أصبح حليفها مع "حركة أمل"، بعد توصلها وايران الاسلامية الى اتفاق في لبنان مكمّل لاتفاقهما الشامل في المنطقة. وكان لها دور واسع جداً في الادارات العامة والمؤسسات المستقلة والمؤسسات الأمنية والعسكرية والجامعات القادرة على التدخل فيها، وفي النقابات والمؤسسات الدينية المسيحية والمسلمة، هذا فضلاً عن الممارسات الأمنية الشاذة ورعاية الفساد اللبناني المتأصّل والتحوّل لاحقاً شريكاً أولاً لممارسيه وهم من كل المشارب والانتماءات.