درب القيصر
Smaller Bigger

قبل ان ينقسم العالم في مجلس العموم إلى يمين ويسار بزمن طويل، كانت مشكلته الكبرى نرجسية الحكام: قياصرة مثل يوليوس، أو مغول مثل هولاكو. يصاب ذوو النشأة المتواضعة بلوثة الألوهة، ويطيب لهم أنهم مرسلون ومكلفون إنقاذ البشرية، غالباً من طريق ابادتها اولاً، كما حدث مع بول بوت في كمبوديا، حيث رمَّد العاصمة التاريخية بنوم بنه، وأقام في وسطها متاحف للجماجم، من أجل أن يعيد بناء البلاد بدءاً من الريف وحقول الارز. 

بدأ بول بوت على انه يحارب العدوان الاميركي في جنوب شرق آسيا، لكن شبق السلطة حوَّل الحكم في نفسه الى تقديس للإبادة. وليس إبادة الاميركيين وقاذفات هنري كيسينجر، بل أهله ورفاقه وصغار المزارعين. وبما أن الأنظمة الديكتاتورية لا تنتهي الا بنهاية الديكتاتور، فعندما عثر على بول بوت ميتاً على سرير حديد في غابة من غابات الثورة الزراعية، كانت كمبويا قد أصبحت متحفاً لأكبر عدد من الجماجم، ومعرضاً لأكبر متحف بشري من الاطراف المقطوعة.

هناك نوع آخر هو النرجسي الذي يصل بانتخابات ديموقراطية ويحصد إما أكثرية حقيقية، وإما اكثرية هزيلة، لكن في الحالتين، يحق له الحكم، وهذا ما كان تشرشل يقول إنه علّة الديموقراطية الكبرى. فقد انتخبت فنزويلا، الحاضنة إحدى كبرى ثروات الأرض، السيد مادورو رئيساً، على رغم محاربة أميركا له. وهذه بوضوح، ارادة شعبية وتعبير عن عداء مقيم للرأسمالية اليانكية. لكن هذه البطولة القومية في بلاد سيمون بوليفار تكبد الفنزويليين تضخماً بلغ مليوناً في المئة. وكل ما فعله مادورو، أو هو قادر على فعله، أنه الغى ستة اصفار من البوليفار، كأنما المشكلة في مطابع المصرف المركزي. المشكلة أن الشعب جائع ومريض وعاطل عن العمل، وأمثال مادورو لا يمكن ان يكونوا حلاً.

أقامت أميركا نظامين مستبدين لا شرعية لهما. الأول، فرض العقوبات، حيث وحين تشاء، والثاني تجميد الاموال المودعة لديها ساعة تشاء، وهو أشبه بعملية سطو في عز الظهيرة. وبسبب قوتها المالية وسطوة الدولار التي لا حدود لها، الحق ببلد حليف، أو بقايا حليف، مثل تركيا، اضراراً وخسائر كبيرة.

في هذه القواعد غير المتساوية وغير العادلة، كان على رجب طيب اردوغان أن يكون أقل نرجسية وأكثر وعياً. لكنه تصرف تماماً مثل صدام حسين عندما منع الدواء عن مئات الآلاف من اطفال العراق كي لا يتحاور مع الامبريالية. بقي العراق محاصراً. وبقيت ليبيا 15 عاماً تحت الحصار، لا متنفس لها إلا "الكتاب الاخضر" ولافتات "طز في أمريكا"، وأثواب ملك ملوك أفريقيا.